تظل المفردة العذبة والمعنى الجزيل هما الرهان الحقيقي لكل شاعر يبحث عن الخلود في ذاكرة الذائقة الشعبية. وفي ساحةٍ تتجاذبها ألوان الشعر وميادينه، يبرز اسم الشاعر شبيب بن زبار المشعبي السبيعي كأحد أكثر الأصوات تميزاً وفرادة؛ إذ استطاع عبر مسيرته الأدبية أن يجمع بين صياغة النص النبطي المترسخ بالصور الابتكارية، وبين الشراسة الحاضرة في حلبات “القلطة” (شعر المحاورة).
لم تكن مسيرة “السبيعي” محاطة بالبهرجة الإعلامية بقدر ما كانت مسبوكة بأصالة الطرح؛ فقد خاض سجالاتٍ ومحاوراتٍ مشهودة أمام قاماتٍ شعرية بارزة تُعد من العيار الثقيل في الخليج، في مقدمتهم الشاعران فلاح القرقح وسفر الدغيلبي، حيث امتاز ببديهة حادة ولسان مسدد يقارع المعنى بالمعنى دون هذرٍ أو تكلف. وعلى الرغم من هذه التجربة العريضة والمفردة الفارقة، ظلّت تساؤلات الجمهور تلاحقه حول معادلة التواجد والغياب، وكيف يوزن حضور الشاعر في ميدان الأدب ومناسبات القبيلة.
«أضواء الوطن» التقت بالشاعر شبيب المشعبي في هذا الحوار الجريء، ليجيب عن فلسفة النص، وحقيقة غيابه، وموقفه من ازدحام الساحة ورموزها:
فلسفة المفردة وطقوس النص
أهلاً بك عبر «أضواء الوطن».. تُعرف بمفردتك الفذة والمختلفة، كيف تتشكل لديك لحظة ولادة النص، وكيف تدير أبعاد كلمتك؟
أهلاً بكم وبقراء صحيفة «أضواء الوطن». الشعر لدي ليس صناعة متكلفة ولا محاولة لملء الفراغ، بل هو حالة تجلٍّ وتلاقٍ وجداني؛ فالقصيدة ضيفٌ عزيز يحتاج من الشاعر (المعزب) حسن الاستقبال والاحتفاء حين يحلّ. والشاعر المتمكن هو من يعرف أسرار فك المفردة وتركيبها بوزنٍ ورزانة، ليرتقي بوعي الذائقة بعيداً عن الغرور أو التهور:
وجـوٍّ غـايـمٍ دخـل عـليّ مـن الـسرور سـرور
أشـوف إن الـقصيد ضـيوف وأنـي مـن مـعازيبه
يـا شـعار انـصتوا لـي واسـمعوني زيـن يـا جـمهور
مـادام إن الـقصيد الـعذب لـه فـكه وتـركيبه
غياب العرض وحضور القبيلة
تميزت بمفردتك وحضورك القوي في المحاورات، لكن يُعاب عليك القلة والغياب عن المشاركة في مناسبات قبيلة “سبيع الغلباء”.. ما السر خلف هذا الابتعاد؟
قبيلة “سبيع الغلباء” هي المنبع والظهر والاعتزاز، ومحبتها ومكانتها تجري في الدم قبل الشعر. أما عن قلة الحضور في بعض المناسبات، فهي ليست زاهداً ولا جفاءً، بل هي محكومة دائماً بظروف الحياة وطبيعة ارتباطات الشاعر، إضافة إلى حرصي الشديد على ألا أطلّ في محفل للقبيلة إلا بنصٍّ يستحق اسم “سبيع” ويليق بمقام الغلباء. الحضور الكيفي بالنسبة لي أبقى وأثمن من التواجد لمجرد الظهور، فالأصيل لا يبتعد عن جذوره وإن شغفته الظروف:
يـقولون الـعرب مـا تـطلع الـلحمه مـن الأظـفور
ولـو إنـها طـلعت يـبقى لـها بـالجسم تـانيبه
سجال القلطة وزحمة الساحة
وقفت في حلبات “القلطة” أمام عمالقة كـ “فلاح القرقح” و”سفر الدغيلبي”، كيف تقرأ واقع الساحة في ظل هذا التزاحم اليوم؟
المحاورة أمام أسماء بوزن القرقح والدغيلبي محك حقيقي يتطلب بديهة حاضرة ولساناً مسدداً، لأنك تقارع قامات تجيد غوص المعاني. الساحة اليوم وإن شهدت تزاحماً واختلاطاً في المستويات، إلا أن الغربلة مستمرة؛ فالشاعر الحقيقي كالنور، لا يمكن أن يحجبه ركام الظلام أو زحمة الألقاب:
مـساحات الـتزاحم تـجتمع فـيها الـعمي والـعمور
وذا شـي طـبيعي مـا بـها شـكٍ ولا ريـبه
ولـكن الـظلام الـعتم مـا يـاقف بـوجه الـنور
وكـلٍ حـس بـنوره مـع ظـلام الـليل يـسري بـه
شهادة للرموز وحقيقة الزمن
استشهدت ببيت لافت حول “ابن جدلان” و”بندر بن سرور”، ما الذي يمثله هذا الثنائي في منطقك الشعري؟
ابن جدلان وبندر بن سرور -رحمهما الله- مدرسة استثنائية؛ خذوا سنام الشعر وجوهره الأصيل وتركوا بصمة لا تتكرر. ما أتى بعدهما ليس إلا محاولات للاقتفاء من ذات النبع؛ فقد صاغا وجه القصيد الحقيقي وتركا للساحة درساً في أن البقاء دائماً للمعنى الخالد:
ابـن جـدلان خـذ و جـه الـقصيد وبـندر بـن سـرور
وذا شـاعر بـأساليبه وذا شـاعر بـأساليبه
خاتمة الحوار
اختتم الشاعر شبيب بن زبار المشعبي السبيعي حواره مع «أضواء الوطن» بكلماتٍ واثقة، مؤكداً أن مسيرة الشاعر لا تُقاس بكثرة الظهور ولا بالتواجد المظهري، وإنما بوزن الكلمة وصدق الأثر. وشدد على أن احترام جمهور الشعر وقبيلته يفرضان عليه الانتقاء والجودة دائماً، مبيناً أن السجالات الشفهية في الميادين تزول وتذهب مع وقتها، بينما تظل المفردة الجزلة والصورة الصادقة خفيفةً تتوارثها الأجيال.















