/
/
مع الخيل يا شقراء!

مع الخيل يا شقراء!

Picture of عبدالله بن سليمان الرويثي

عبدالله بن سليمان الرويثي

يُحكى أن مزارعًا كان لديه خيل وبقرة تُدعى شقراء.
وكان كلما أطلق خيله للجري، انطلقت تعدو في الميدان. فتقف شقراء تراقبها، ثم ما تلبث أن تركض خلفها، محاولةً أن تجاريها وتفعل مثلها.
كانت الخيل أسرع منها، وأكثر قدرةً على الجري والقفز، لكن شقراء كانت تحاول في كل مرة أن تلحق بها.
وتكرر المشهد حتى أصبح مألوفًا في المزرعة: الخيل تجري، وشقراء تركض خلفها.
وفي أحد الأيام، انطلقت الخيل كعادتها، فحاولت شقراء مجاراتها، لكنها لم تستطع. ركضت بكل ما لديها، ثم أخذت سرعتها تخف شيئًا فشيئًا، حتى توقفت، بينما واصلت الخيل عدوها.
ومن ذلك المشهد خرجت العبارة التي بقيت حاضرة في الذاكرة الشعبية: “مع الخيل يا شقراء”.
تتغير الأزمنة، وتتغير الأشياء التي تجري أمامنا، لكن المشهد الإنساني لا يتغير كثيرًا.
فكم مرة رأينا الآخرين يتجهون نحو شيء، فوجدنا أنفسنا نتجه معهم؟
قد يكون قرارًا، أو رأيًا، أو أسلوبًا في الحياة، أو منتجًا، أو طريقة في اللباس، أو سلوكًا اجتماعيًا. نراه عند الآخرين، فيبدو لنا فجأة أكثر جاذبية. يتكرر أمامنا، فيصبح مألوفًا. ينتشر، فنظنه صحيحًا. ويفعله الجميع، فنشعر أن عدم فعله هو الشيء الغريب.
وهنا قد لا يكون اختيارنا نابعًا من قناعة حقيقية، وإنما من رغبة بسيطة في ألا نكون مختلفين.
الإعلانات تعرف كيف تستثمر هذا الشعور. فهي لا تكتفي بأن تخبرنا عن منتج، بل قد تجعلنا نشعر بأن امتلاكه هو ما ينقصنا.
والأزياء لا تتوقف عند تقديم خيارات جديدة، بل قد تجعل بعض الخيارات تبدو وكأنها ضرورة حتى لا نبدو خارج الصورة.
والأفكار والسلوكيات تنتقل بين الناس بسرعة، حتى يصبح السؤال أحيانًا ليس: هل هذا مناسب لي؟ بل: لماذا لا أفعله والجميع يفعله؟
وهذه هي اللحظة التي تستحق أن نتوقف عندها.
ليس لأن كل ما هو رائج سيئ، ولا لأن كل جديد مرفوض، ولا لأن الاختلاف فضيلة في ذاته؛ بل لأن الإنسان يملك عقلًا وذوقًا وقيمًا وهوية، ومن حقه أن يختار ما يناسبه منها، وأن يترك ما لا يناسبه.
نحن نعيش في عالم مفتوح على ثقافات وتجارب لا حدود لها، وهذا يمكن أن يكون ثراءً كبيرًا إذا عرفنا كيف نختار.
فليس كل ما يناسب غيرنا يناسبنا، وليس كل ما ينسجم مع ثقافة أخرى ينسجم بالضرورة مع ثقافتنا، وليس كل سلوك شائع يتوافق مع قيمنا ومبادئنا وديننا.
الانفتاح لا يعني أن نقبل كل شيء، والحفاظ على الهوية لا يعني أن نرفض كل شيء.
بينهما مساحة اسمها الوعي.
أن نرى الجديد، ثم نفكر، أن نعرف ما يفعله الآخرون، ثم نقرر، أن نستفيد من العالم، دون أن نسمح له بأن يختار عنا. ولعل أجمل ما في حكاية شقراء أنها لا تطلب منا أن نسير عكس الخيل، ولا أن نرفض ما يفعله الآخرون لمجرد أنهم يفعلونه. بل أن نتوقف لحظة قبل أن نبدأ بالجري. نسأل أنفسنا: هل أريد هذا فعلًا؟ هل يناسبني؟ هل يتوافق مع ثقافتي وقيمي وديني؟ وهل كنت سأختاره لو لم أره عند الآخرين؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فاختيارك لك. وإذا كانت لا، فلا بأس أن تترك الخيل تمضي وحدها. فالاستقلال ليس أن تخالف الجميع، كما أنه ليس أن تتبع الجميع. الاستقلال الحقيقي أن تعرف لماذا اخترت الطريق الذي تسير فيه. فقد تجري الخيل كلها في اتجاه واحد… لكن الإنسان ليس مطالبًا بأن يجري خلفها لمجرد أنها تجري.

كتبه : عبدالله بن سليمان الرويثي.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى