في زمن تلاطمت فيه أمواج التحديث الشعري، وكادت ملامح القصيدة العمودية الرصينة أن تتوارى خلف تجارب الحداثة المنفلتة، يبرز الشاعر السعودي فيصل آل صالح كأحد أبرز حراس القلعة الخليلية الأصيلة، مقدماً نموذجاً نادراً يجمع بين فخامة اللفظ القديم وعذوبة العاطفة المعاصرة.
ولعل المتأمل في منجزه الإبداعي
«فتنة الشعر» الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي، يدرك أننا لسنا أمام شاعر عابر يكتفي برصف القوافي، بل أمام مهندس كلمةً يعرف كيف يستنطق مكامن الجمال في اللغة، ويطوع بحور الشعر لخدمة رؤيته الفنية الفذة.
ومن النصوص التي لفتت انتباهي. نص بعنوان
“المؤسس الفذ”.. ظهرت فيه تجليات الملحمة الوطنية والبيان اللغوي
كما تجلت هذه الجزالة بشكل لافت في روائعه الوطنية، ولا سيما في هذه القصيدة المهيبة «المُؤَسِّسُ الفَذُّ»، التي خص بها جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-.
في هذا النص، لا يقع آل صالح في فخ الخطابية المباشرة المعتادة في قصائد المناسبات، بل يرتفع بالحدث التاريخي إلى مصاف الملحمة البلاغية.
حيث يبدأ الشاعر بنسج صورة باذخة تضع الممدوح فوق هامات السحاب:
مَلِيكٌ عَلَى الجَوْزَاءِ حَطَّ بُرَاقُهُ ..
وَمَا زَالَ لِلْمَجْدِ العَظِيمِ اشْتِيَاقُهُ
سَمَا بِالمَعَالِي رِفْعَةً وَارْتَقَى بِهَا ..
فَمَا كَانَ فِي وُسْعِ المُلُوكِ لَحَاقُهُ
السبك هنا يذكرنا بقوة المتنبي وحلقات
الفخر العباسي؛ حيث التوظيف الدقيق للصور الكونية كالجوزاء، والبدر، والشمس. لكن الامتياز الحقيقي لآل صالح يتضح في كيفية تحويل النص من مديح الذات إلى توثيق منجز “الأمن والاستقرار” الذي قاده المؤسس، واصفاً النقلة الحضارية للبلاد من ليل الغربة والوحشة إلى شمس الهداية والتقوى.
فلسفة الفكرة البكر في ديوان «فتنة الشعر»
إن هذا النَّفَس الإنساني المترع بالجزالة ليس غريباً على الشاعر؛ ففي ديوانه «فتنة الشعر» يضع آل صالح يده على الجرح الإبداعي مستعرضاً معاناته مع الكتابة والولادة القيصرية للمفردة:
إِنَّ القَصِيدَةَ فِي عَقْلِي كَفَاتِنَةٍ ..
قَضَّت مَضَاجِعَ أَحْلَامِي، فَلَمْ أَنَمِ
فَاقْبِضْ عَلَى فِكْرَةٍ بَيْضَاءَ، بِكْرِ رُؤىً ..
بَكَارَةً لَمْ تفِضْ إِلَّا عَلَى قَلَمِي
إنها مطاردة مستمرة لـ “الفكرة البيضاء
البكر”، ورفض تام للمستهلك والمبتذل من القوالب التعبيرية. هذا الهوس بالبناء الهندسي المتين جعل قصائده تبدو أحياناً من فرط سبكها المتقن وقوافيها المتناغمة وكأنها منحوتة من مرمر، الأمر الذي يثبت تفوق الحس العربي الصادق وقدرته على إنتاج دهشة إبداعية لا يمكن اغفالها .
كلمة أخيرة
يمثل الشاعر فيصل آل صالح طاقة أدبية سعودية تستحق الالتفات النقدي والدراسة الأكاديمية المعمقة. إن ديوانه «فتنة الشعر» وقصائده التي توفرت لي من خلال السوشل ميديا رسالة حية بأن الشعر العمودي لا يموت، طالما أن هناك قامات شعرية تمتلك هذا الإصرار على التميز، وهذا النفَس الرفيع في صياغة الهوية والأصالة.















2 تعليقات
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشعر اجزله
امتناني وتقديري.