هناك شخصيات قد تتغير حين تتبدل الظروف المحيطة بها، فتأخذها أمواج المادة، أو بريق المناصب، أو غواية الشهرة، لتجعلها تتعالى على الآخرين، وتعتمد الانتقائية في علاقاتها، مقدّمة مصالحها الذاتية على ما سواها.
وفي المقابل، يبقى هناك معادن نادرة لا يزيدها العطاء والرفعة إلا تواضعًا، ولا يزداد بها الإنجاز إلا سموًّا وعلوًّا.
وعندما نتحدث عن الرجال الذين يُشار إليهم بالبنان، والذين أجمع العارفون على حبهم وتقديرهم، غير آبهين بأصوات حاقد أو حاسد يحاول عبثًا النيل من هذا الجبل الأشم خلقًا وأخلاقًا، فإننا نقف أمام قامة شعرية وإنسانية فريدة؛ هو قريبٌ عزيز من أفراد القبيلة، إنه الشاعر العملاق هميل بن شرف الغامدي، الذي لم يكن مجرد شاعر عابر، بل رمزًا للكلمة الرصينة وقيم النبل والأخلاق.
مسيرة حافلة مع عمالقة الشعر
لقد عاصر الشاعر الكبير هميل بن شرف جيلين من عمالقة الشعر، وكان شاهدًا ومشاركًا في صياغة تاريخ أدبي لن ينسى تلك الثنائيات الفريدة التي كوّنها مع عمالقة الشعر.
وفي مقدمة تلك الثنائيات، تأتي علاقته الشعرية مع “شاعر غامد” الكبير، المرحوم بإذن الله محمد الغويد، حيث قدّما معًا لوحات شعرية ستظل خالدة في ذاكرة المحبين.
كما خاض منافسات ضارية مع كبار الشعراء، وأثرى الساحة الشعرية بمسيرة امتدت لسنوات طوال، وكون ثنائيًا لأكثر من ثلاثين عامًا جنبًا إلى جنب مع الشاعر الكبير مبارك أبو علاج، ليصنعا معًا إرثًا من الصداقة والمواقف التي تشهد لها ساحات العرضة.
وما زال صاحب عطاء ثري في الحكمة والشعر والأخلاق.
لقد جمع “ الشاعر هميل الغامدي ” في شخصيته بين نبل البساطة وعنفوان القوة؛ فحيثما حلّ، تلمس فيه عفوية الصادق وهيبة الحكيم.
وفي شعره، هو حريص أشد الحرص على صون كرامات الناس، بعيدًا عن المساس بالقبائل، منزهًا لسانه عن الزلات والمهاترات. قصائده تتمتع بقوة المعنى وعمق الطرح، وغالبًا ما تحمل في طياتها مقاصد بعيدة ومخفية، لا يفك طلاسمها إلا الأذكياء والعارفون بالشعر.
هو محاورٌ شرس في ميادين الشعر، يبتعد كليًا عن الإسفاف، ولا يجري على لسانه سبابٌ أو شتائم. بعيد المدى، ثاقب البصر والبصيرة، فيه من حنكة الفرسان وافتراس السباع ما يجعل الخصوم يخشونه في ميادين العرضة، لكنهم لا يملكون إلا أن يشهدوا له بقوته الشعرية، وأخلاقه الحميدة، وقربه الدائم من الجمهور.
موقف إنساني لا يُنسى
قبل عدة أيام، تجسدت إنسانية هذا الشاعر العظيم في موقف حيّ لا يُنسى.
فعلى تلك المنصة، وأمام جمهور غفير لا يكاد يخلو من عارف بقدره وشهرته الواسعة، صعد رجلٌ من ذوي الإعاقة، ووضع في جيبه شيئًا بدا وكأنه مبلغ مالي بسيط.
لم يتبرم الشاعر، ولم يتأفف، بل تقبّل الموقف بصدر رحب، وأخذ الرجل إلى جانبه واحتضنه بحنان الأب والأخ، ثم أكمل قصيدته والزائر الجليل إلى جواره.
لقد جبر بخاطر ذلك الرجل حتى كاد، من شدة الفرح، أن يعلو فوق السحاب؛ في مشهد يعكس عِظَم النبل وسمو الروح.
وكأنني أتخيل أكف الناس مرفوعة إلى السماء، تحمل معها الدعاء لهذا الشاعر الإنسان، لقاء تعامله النقي مع هذا الرجل واحتفائه به.
وكأنني أشاهد والديه يفاخران بهذا الموقف، وعيونهما تذرفان لهذا المشهد العظيم، داعين له بكل جوامع الدعاء.
الشاعر الإنسان
هكذا هم الكبار حقًا: تواضع، ونبل، ومواقف تثبت أن الشعر الحقيقي يبدأ من طهارة النفس والقلب وعمق الأصالة.
إن الشاعر هميل بن شرف الغامدي سيظل باقياً كمرجع في الحكمة والشعر والأخلاق؛ عملاقًا في عطائه، وفارسًا لا يترجل من صهوة الإبداع، ينهل منه الجيل الحالي والقادم معنى “الشاعر الإنسان”.
بقلم: عائض الشعلاني.















تعليق واحد
صدقت اخي الكاتب الغالي عايض
هذا هميل الشامخ شعرا ورجوله وادب واخلاق
اسأل الله ان يحفظ لنا هميل بن شرف