نحن لها

Picture of بقلم _ عائض الشعلاني

بقلم _ عائض الشعلاني

حين تشتد العواصف لا تحتاج الدول إلى كثير من البيانات والشجب ولا إلى خطب التضامن الرتيبة أو عبارات الأخوة الاستهلاكية فالعواصف وحدها هي التي تكشف المعادن واليوم يبدو أن الثلج قد ذاب وأن كثيراً من الوجوه التي ظلت تختبئ طويلاً خلف شعارات «الأخوة الخليجية» و«المصير المشترك» قد سقطت أقنعتها لتظهر على حقيقتها .
لم تعد المملكة العربية السعودية اليوم أمام اختبار الحوثي وحده ولا أمام طهران وحدها بل أمام مشهد استراتيجي أعقد وأشمل فقد تعرضت لضغوط متزامنة جغرافياً وسياسياً من اليمن والبحر الأحمر والمنشآت النفطية في وقت تحول فيه باب المندب إلى جزء من معركة كبرى تتداخل فيها حسابات إيران والحوثيين والولايات المتحدة وإسرائيل وأطراف إقليمية أخرى .
وفي خضم هذه الأحداث الجسيمة يبرز السؤال الملح ماذا فعل من يُفترض أنهم شركاء في البيت الخليجي؟
أين الموقف الخليجي الموحد؟ نحن لا نطلب تحريك الجيوش فلسنا بحاجة لجيوش من «ناموا في العسل»، فالسعودية بفضل الله ثم بقواتها ومواطنيها تقول نحن لها لكننا كنا نظن أننا سنرى سماء الدبلوماسية تعج بحراك سياسي واقتصادي ضاغط على واشنطن والقوى الكبرى فهل كان من الصعب على الأشقاء قيام حملة دبلوماسية واسعة النطاق هل كان عسيراً الاتصال بعواصم القرار للقول بوضوح وبالفم المليان إن أمن السعودية ليس شأناً سعودياً منفرداً بل أمن قومي خليجي لا يتجزأ تماماً كما كان ديدن السعودية دائماً معهم .
لقد انكشفت حقيقة مرة حيث عجز الجميع عن إشعار العالم بأن استهداف المملكة هو استهداف للخليج بأسره و إذا كان هذا المجلس التعاون الخليجي لا يستطيع التحرك في أخطر أزمة أمنية تواجه إحدى دوله الأعضاء فمتى يكون أمن الخليج جماعياً حقاً .
الكل يعلم أن السعودية لم تتأخر عن أحد يوماً ولم تنتظر ثمناً لمواقفها مع جيرانها ودول عربية وخليجية مرت بأزمات خانقة ولولا تلك المواقف لكانت بعض العواصم في حالٍ أخرى وفهمكم كفاية لقد طالما تعاملت الرياض مع أمن الخليج باعتباره أمناً مشتركاً ومصيراً واحداً لا ملكية خاصة بها أو منة تمن بها على أحد .
وعندما نتحدث عن الحياد المزعوم فإننا نتساءل: كيف تتحول عواصم شقيقة إلى منصات لاجتماعات أمريكية حوثية في قلب الخليج بينما تواجه السعودية حرباً مفتوحة ويتخلى عنها القريب والبعيد ،، إن حق الرياض مشروع في أن تسأل متى ينتهي هذا الحياد السلبي ومتى تبدأ المسؤولية التاريخية تجاه من وقفت معهم الرياض نحن لا نطلب من سلطنة عمان إرسال جندي واحد بل نطلب موقفاً سياسياً واضحاً وضغطاً بلهجة صادقة تؤكد أن أمن السعودية خط أحمر لا يقبل المساومة ،،
أما الموقف الإماراتي فقد اتخذ مساراً آخر بعيداً عن الثوابت العربية التقليدية متورطاً في تشابكات إقليمية ودولية وتباينات واضحة مع الرياض في اليمن والقرن الأفريقي والسودان وملفات أخرى ومع ذلك فلن تتوقف مسيرة السعودية عند عبث المتفرجين فمن يغامر خارج السياق الجامع لن يضر إلا نفسه .
في المقابل برزت دول مثل باكستان كحليف حقيقي أظهر استعداداً سياسياً ودبلوماسياً للوقوف إلى جانب المملكة وعدم تركها تواجه المخاطر وحدها وقد تحذو تركيا حذو هذا المسار المطلوب حيث لا يُطلب منها إعلان حرب بل صوت سياسي مسموع وحضور دبلوماسي يتناسب مع حجمها لقد شبعنا لسنوات طويلة من شعارات المصير المشترك وتأكدنا أن ثقل الكلمات يختبر فقط ساعة سقوط الصواريخ .
إن هذه الأزمة تمثل نهاية مرحلة كاملة وليست بالضرورة نهاية العلاقات لكنها بالتأكيد نهاية السذاجة السياسية فحتماً لن تنظر السعودية بعد اليوم إلى الجميع بالطريقة ذاتها وستعرف بدقة من تحرك ومن اتصل ومن ضغط ومن ساند ومن اكتفى بالصمت والجلوس على المدرجات يتفرج ويحسب مكاسبه بينما كانت الرياض تدفع الثمن .
السعودية ليست دولة تنتظر من ينقذها فهذه البلاد لم تُبْنَ في زمن الراحة ولم تتشكل شخصيتها في أوقات الهدوء نحن لا نبحث عن الحروب ولا نتمناها لكن إن فُرضت علينا وصار الدفاع عن السيادة والأمن واجباً لا خياراً فنحن لها ولم نُخلق إلا لمثل هذه المواقف ،، أما من اختار مقاعد المتفرجين فله حسابه عند التاريخ فالدول قد تتصالح وتعيد بناء العلاقات لكنها لا تنسى وعندما تنقشع غبار هذه الأزمة بإذن الله سيكون لكل حادث حديث .

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى