ثمة قامات وطنية لا تعبر الذاكرة عبوراً عابراً، بل تنحت أسماءها في وجدان الأرض والتاريخ؛ و من بين هؤلاء الرواد الذين صاغوا بمداد الإخلاص ملامح الهوية الإعلامية و الثقافية للمملكة، يبرز اسم الشاعر والإعلامي المخضرم مهدي بن عبار المقرن المعنى العنزي. هذا الرجل الذي لم يكن مجرد شاهد عيان على ولادة المؤسسات الثقافية، بل كان شريكاً في البناء، و حارساً أميناً على موروثنا الشعبي العريق، و مثالاً للمثقف الذي طوّع الزمن لخدمة الهوية الوطنية.
مخاض البدايات: من “عروس البحر” إلى “وحدة القلم”
انطلقت مسيرة ابن عبار من ثرى الرياض، لكن طموحه الوثاب قاده نحو مدينة جدة، حيث نهل من مناهل العلم في معاهدها الوطنية والصحفية، مما صقل أدواته التعبيرية مبكراً وأعدّه ليكون أحد أعمدة الإذاعة و التلفزيون السعودي في مرحلة التأسيس الحرجة. ومع نهاية السبعينيات الميلادية، عاد إلى العاصمة الرياض ليبدأ فصلاً مهنياً وتاريخياً نوعياً؛ حين صدر التوجيه الكريم من الملك عبد الله بن عبد العزيز (رحمه الله) بتعيينه رئيساً لوحدة القلم، ليعمل تحت إدارة قامات فذة وإدارة تاريخية حكيمة كالشيخ عبد العزيز التويجري و الأمير بدر بن عبد العزيز (رحمهما الله). هناك، امتزجت صرامة الانضباط العسكري برهافة المبدع، فكان إدارياً برتبة أديب، ومسؤولاً يسخر قلمه لخدمة الفكر والمجتمع.
الحنجرة الذهبية وروح “الجنادرية”
لم يكن مهدي بن عبار مجرد مسؤول إداري في المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية)، بل كان المحرك الثقافي والروح المسيرة لفعاليات الفنون الشعبية وشعر النظم والمحاورة. ولعل بصمته الأغلى التي حُفرت في وجدان الأجيال هي صوته الرخيم الذي أرخ لسباقات الهجن الملكية الرسمية منذ عهد جلالة الملك فيصل وصولاً إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز؛ حيث استطاع بفروسية كلماته وبلاغته الفطرية أن يحول الميادين إلى ملاحم أدبية تستنطق التاريخ وتستحضر أمجاد الآباء، ليصبح بحق “المعلق الأول” وذاكرة التراث المسموعة.
رنية.. لوحات شعبية بمداد الوفاء
لقد كان ابن عبار “جوالاً ثقافياً” يؤمن بأن الموروث يُستسقى من فيافي الوطن؛ ومن هنا جاءت زيارته التاريخية لمحافظة رنية عام 1425هـ، والتي لم تكن محض زيارة عابرة، بل كانت انصهاراً حقيقياً مع الأرض وإنسانها. سجل خلالها رفقة الإعلامي محمد آل ماضي روائع برنامج “لوحات شعبية”، حيث استضاف شعراء المنطقة ووثق قصائدهم، مؤكداً أن الثقافة السعودية نسيج واحد يمتد من أقصى الوطن إلى أقصاه، وأن الكلمة الصادقة هي الجسر الذي يربط بين الأجيال.
المكتبة الأدبية: دموعٌ وقصائد
تحتفي المكتبة السعودية بنتاج ابن عبار كوثائق إنسانية ووجدانية رفيعة؛ ففي كتابه “ذكريات جميلة” يستعيد شريط العمر بوفاء، وفي “علوم النشاما” يوثق شمائل الرجال ومكارم الأخلاق، بينما يتجلى حسه الإنساني العميق في “دمعة على كف سلطان”، وصدقه الوطني في ديوان “الوطن”. ولم يخلُ نتاجه من الجرأة الفكرية والعمق الشعري كما في “قصائد محرمة” و**”قصائد ومناسبات”**، وهي أعمال تبرهن على أن قلمه لم ينكسر يوماً أمام بريق المناصب، بل ظل وفياً لحرمة الحرف و أمانة الكلمة.
خاتمة المقال (الخلاصة)
إن سيرة مهدي بن عبار العنزي هي حكاية وفاء استثنائية بين رجل ووطن؛ حكاية بدأت بالخدمة العسكرية وانتهت بالخلود الأدبي والإعلامي. لقد استطاع هذا الرمز أن يجمع بين “رسمية” المؤسسة و”شعبية” الموروث، ليظل صوته صدىً باقياً في ميادين العز، وقلمه منقوشاً في صفحات الأدب السعودي المعاصر. هو القمة التي أثبتت أن المثقف الحقيقي لا يموت أثره، بل يتجدد مع كل قصيدة، ومع كل هتافٍ ينطلق من حناجر الهجن في ميادين الأصالة.














