تخيل أنك تكتب رسالة على هاتفك، فيقترح عليك الكلمة التالية. أو تستخدم تطبيقًا للخرائط، فيقترح طريقًا يتجنب الازدحام. أو تتحدث إلى برنامج، فيجيب عن سؤالك بلغة واضحة. وراء كثير من هذه الخدمات تقنيات تُسمى «الذكاء الاصطناعي». فما المقصود بهذا الاسم؟ وكيف يستطيع جهاز أن يكتب أو يتعرف على صورة أو يجيب عن سؤال؟
الذكاء الاصطناعي هو اسم لمجموعة من التقنيات التي تجعل أجهزة الحاسب تؤدي مهام تحتاج عادةً إلى قدرات بشرية، مثل التعرف على الكلام والصور، والتعامل مع اللغة، واكتشاف الأنماط، واقتراح الحلول. وكلمة «الذكاء» هنا تصف قدرة النظام على أداء هذه المهام؛ فلا تعني بالضرورة أنه يفكر مثل الإنسان، أو يشعر، أو يدرك العالم بالطريقة التي ندركه بها.
ولفهم الفكرة، يمكننا النظر إلى الفرق بين برنامج تقليدي وبرنامج يعتمد على التعلم من الأمثلة. في البرنامج التقليدي، يكتب المبرمج تعليمات محددة، مثل: «إذا أدخل المستخدم رقمين، فاجمعهما». ينفذ الحاسب هذه التعليمات، ويعطي النتيجة. أما في كثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي، فيزوّد المختصون النظام بأمثلة كثيرة، ويدربونه على اكتشاف العلاقات بينها، حتى يستطيع التعامل مع أمثلة جديدة لم يرها من قبل.
لنفترض أننا نريد إعداد برنامج يميز صور القطط. من الصعب أن نكتب قواعد تصف كل قطة ممكنة؛ فالقطط تختلف في اللون والحجم، وقد تظهر جالسة أو نائمة، ومن الأمام أو الجانب. لذلك يمكن تدريب النظام على صور كثيرة، مع توضيح الصور التي تحتوي على قطط والصور التي لا تحتوي عليها. وخلال التدريب، يعدل النظام حساباته تدريجيًا، حتى يصبح أقدر على تمييز الأنماط التي تساعده على التعرف على القطة.
يشبه الأمر، من جانب محدود، تعلم الطفل من الأمثلة. فالطفل يرى قططًا مختلفة، ثم يستطيع التعرف على قطة لم يرها سابقًا. لكن التشابه لا يعني أن الحاسب يتعلم كما يتعلم الطفل تمامًا؛ فالطفل يعيش التجربة، ويتفاعل مع العالم، ويربط ما يراه بمعانٍ ومشاعر، بينما يعتمد النظام على معالجة البيانات وإجراء الحسابات.
ويسمى هذا الأسلوب «التعلم الآلي»، أي تدريب الحاسب على اكتشاف أنماط في البيانات بدلًا من كتابة كل قاعدة له بصورة مباشرة. وقد تكون البيانات صورًا أو نصوصًا أو تسجيلات صوتية أو أرقامًا، بحسب المهمة المطلوبة. فالنظام الذي يتعرف على الكلام يتدرب على أمثلة صوتية، والنظام الذي يتوقع استهلاك الكهرباء يتدرب على بيانات تتعلق بالاستهلاك والظروف المؤثرة فيه.
ولا يكفي أن تكون البيانات كثيرة؛ بل ينبغي أن تكون مناسبة ومتنوعة. فإذا تدرب برنامج التعرف على القطط على صور واضحة فقط، فقد يواجه صعوبة مع صورة مظلمة أو غير مكتملة. وإذا كانت بياناته تحتوي على أخطاء، فقد يتعلم علاقات غير صحيحة. لذلك يختبر المختصون النظام على بيانات جديدة، ليروا مدى نجاحه خارج الأمثلة التي تدرب عليها.
كيف يستطيع الذكاء الاصطناعي الكتابة؟
تعمل أدوات المحادثة والكتابة الشائعة بطريقة تختلف عن البحث عن صفحة جاهزة ونسخها. فهي تتدرب على كميات كبيرة من النصوص، وتتعلم أنماط اللغة والعلاقات بين الكلمات والمعلومات. وعندما تكتب لها سؤالًا، تستخدم ما تعلمته، مع ما ورد في المحادثة، لتكوين إجابة خطوة بعد أخرى.
ويمكن تقريب الفكرة من خلال عبارة بسيطة: «أشرب الماء عندما أشعر بـ…». غالبًا ستتوقع أن الكلمة التالية هي «العطش». أما نظام توليد النصوص فيتعامل مع أنماط أكثر تعقيدًا بكثير؛ فيختار أجزاء صغيرة من الكلمات والنصوص، ثم يواصل بناء الجملة والفقرة وفقًا للسياق.
ولهذا يستطيع كتابة رسالة رسمية، أو تبسيط موضوع، أو اقتراح أفكار، أو تغيير أسلوب نص. فإذا طلبت منه شرح موضوع لطفل، تختلف صياغته عن صياغة شرح موجه إلى متخصص. ويساعده وصفك للمطلوب على تحديد شكل الإجابة ومستواها.
لكن قدرته على إنتاج كلام منظم لا تضمن صحة كل ما يقوله. فقد يقدم معلومة غير دقيقة، أو يخلط بين أسماء، أو يذكر مرجعًا غير موجود. ويُطلق على هذه الأخطاء أحيانًا اسم «الهلوسة». والمقصود أن النظام يولد محتوى يبدو صحيحًا في لغته، مع أنه غير صحيح في الواقع. لذلك ينبغي مراجعة المعلومات المهمة، خاصةً الأسماء والتواريخ والأرقام والمراجع.
كذلك، ليست كل أدوات الذكاء الاصطناعي متصلة بالإنترنت. فقد يعتمد بعضها على ما تعلمه أثناء التدريب، وقد يستطيع بعضها الآخر البحث أو استخدام أدوات إضافية. ولهذا لا ينبغي افتراض أن كل إجابة تعكس أحدث المعلومات.
كيف يتعامل مع الصور والأصوات؟
بالنسبة إلى الحاسب، تتكون الصورة من نقاط صغيرة تحمل قيمًا تمثل الألوان. وتتعلم أنظمة معالجة الصور اكتشاف العلاقات بين هذه النقاط، مثل الحواف والأشكال والأنماط الأكثر تعقيدًا. وبذلك يمكن تدريبها على مهام مثل قراءة الكلمات في صورة، أو اكتشاف عيب في منتج، أو التعرف على نوع معين من الأشياء.
أما الصوت فيتحول إلى بيانات يمكن معالجتها. ويمكن للنظام أن يتعلم العلاقة بين أنماط الصوت والكلمات، فيحوّل الكلام إلى نص. وتستخدم أنظمة أخرى النص لإنتاج صوت مسموع، كما يحدث في بعض خدمات قراءة النصوص.
وتستطيع أدوات توليد الصور إنشاء صورة جديدة بناءً على وصف مكتوب، لأنها تعلمت خلال التدريب علاقات بين الأوصاف والعناصر البصرية. فعندما تطلب صورة لحديقة في الصباح، يستخدم النظام هذه العلاقات لتكوين نتيجة تناسب الوصف. ومع ذلك قد يخطئ في بعض التفاصيل، مثل عدد الأصابع أو شكل الكلمات المكتوبة داخل الصورة.
هل يعرف ما يقوله؟
عندما يجيبك البرنامج بلطف، أو يقول: «أفهم شعورك»، فقد يبدو كأنك تتحدث إلى شخص. لكن هذه العبارة وحدها لا تدل على أنه يشعر بما تشعر به. إنها جزء من استجابة لغوية يستطيع إنتاجها وفقًا للسياق.
ومن المفيد التمييز بين أداء المهمة والتجربة الإنسانية. فقد يستطيع النظام كتابة نص عن الحزن دون أن يكون قد شعر بالحزن، ووصف مذاق الطعام دون أن يكون قد تذوقه. ولذلك لا ينبغي الحكم على وعيه أو مشاعره من أسلوب حديثه وحده.
كذلك لا «يعرف كل شيء». فقد تكون معلوماته ناقصة، أو قد يسيء تفسير سؤالك، أو يواجه مهمة تتجاوز قدرته. وأحيانًا تتغير جودة الإجابة بمجرد توضيح المطلوب أو تقديم معلومات إضافية.
كيف نستفيد منه في حياتنا؟
يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في أعمال يومية كثيرة: صياغة مسودة رسالة، وتبسيط مفهوم صعب، واقتراح خطة للمذاكرة، وتنظيم أفكار مشروع، وترجمة نص، أو إعداد أسئلة للمراجعة. وتزداد فائدته عندما تكون المهمة واضحة، ويستطيع المستخدم مراجعة النتيجة.
فبدلًا من أن تقول: «اكتب عن التعليم»، يمكنك أن تقول: «اكتب مقالًا مبسطًا عن أهمية القراءة، موجهًا إلى أولياء الأمور، في نحو خمسمائة كلمة، مع أمثلة من الحياة اليومية». كلما وضحت الهدف والجمهور والتفاصيل، أصبح من الأسهل أن تحصل على إجابة تناسب حاجتك.
ويمكنك مواصلة الحوار لتعديل النتيجة: «اختصر هذه الفقرة»، أو «اشرح المصطلح بمثال»، أو «اذكر الجوانب التي تحتاج إلى تحقق». لكن طلب التحقق من الأداة نفسها لا يغني دائمًا عن الرجوع إلى مصدر مستقل؛ فقد تكرر الخطأ أو تقدم تفسيرًا مقنعًا له.
ومن الحكمة أيضًا تجنب إدخال كلمات المرور أو المعلومات الشخصية الحساسة في أدوات لا تعرف كيف تتعامل مع بياناتك. وعند استخدام إجابة في عمل أو دراسة، ينبغي أن تفهمها وتراجعها وتتحمل مسؤولية ما تقدمه للآخرين.
الذكاء الاصطناعي تقنية تعتمد على البيانات والحسابات لاكتشاف الأنماط وأداء مهام متنوعة. وقدرته على مساعدتنا تصبح أكثر قيمة عندما نجمعها مع المعرفة البشرية والمراجعة وحسن الحكم. فالسؤال الجيد يوجهه، والمستخدم الواعي يفحص نتيجته، والغاية الواضحة تجعل استخدامه مفيدًا في التعلم والعمل والحياة اليومية.
بقلم _ الدكتور يحيى مراد
أضواء الوطن
- منذ 40 دقيقة
- 1124
شاركها
-
ما الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يعمل؟منذ 17 دقيقة
-
عبدالله الحضبي
انت دائماً متميز يا بو حمود بيض الله وجهك على الكلمة الوطنية...
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
أخبار المجتمع














