/
/
استهداف الرياض رسالة عدوان للعالم.. فاتقوا شر الحليم إذا غضب، وعلى الحوثي أن يقرأ تاريخ السعودية عام 1934

استهداف الرياض رسالة عدوان للعالم.. فاتقوا شر الحليم إذا غضب، وعلى الحوثي أن يقرأ تاريخ السعودية عام 1934

Picture of بقلم _ الدكتور تركي بن محمد العبدالله الداود

بقلم _ الدكتور تركي بن محمد العبدالله الداود

حين يُستهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، فإن الاعتداء لا يطال منشأة سعودية فحسب، بل يمس سيادة دولة تمثل ركناً أساسياً في استقرار المنطقة والعالم، ويهدد أمن الطيران الدولي وحياة الأبرياء. وما ورد من أنباء عن سقوط شهداء وإصابة آخرين يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتجاوز بيانات الإدانة والاستنكار؛ لأن التهاون مع الاعتداءات على الدول لا يحمي السلام، بل يفتح أبواباً لمزيد من الفوضى والتهديد.

إن من يظن أن الاعتداءات التي تستهدف المملكة العربية السعودية لا تعنيه، وأن الوقوف متفرجاً عليها سيجنّبه أخطارها، يغفل عن حقيقة أثبتتها تجارب التاريخ؛ فالإرهاب لا يعرف عهداً ولا ذمة، ولا يحترم مواثيق أو أعرافاً، ومن يتساهل اليوم مع تهديد أمن الآخرين قد يجد أمنه غداً أمام التهديد ذاته. فالصمت عن الاعتداءات لا يضمن النجاة منها، والتغاضي عن مصادر الخطر لا يمنع امتدادها.

الرسالة الأولى إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن: إن حماية المطارات والمنشآت المدنية مسؤولية دولية تفرضها القوانين والمواثيق، ولم يعد مقبولاً أن تظل القرارات الدولية عاجزة عن ردع الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها. فالقانون الذي لا يجد طريقه إلى التنفيذ يفقد أثره، والصمت أمام الانتهاكات المتكررة يضعف الثقة في المؤسسات الدولية.

والرسالة الثانية إلى الولايات المتحدة وأوروبا والقوى الكبرى: إن أمن المملكة العربية السعودية جزء لا يتجزأ من أمن الطاقة والتجارة والملاحة والطيران الدولي. وعلى هذه القوى أن تتعامل مع الاعتداءات على المملكة بالجدية ذاتها التي تتعامل بها مع التهديدات الموجهة إلى أمنها. ولنا في الولايات المتحدة بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر مثال واضح على أهمية التضامن الدولي والتحالفات الأمنية عند مواجهة الأخطار العابرة للحدود. فالتعاون الدولي ليس دليلاً على ضعف الدولة المستهدفة، وإنما تعبير عن مسؤولية مشتركة لحماية الأمن والسلم الدوليين.

وهنا ينبغي أن تكون الحقيقة واضحة للجميع: إن هذه الرسائل الدولية لا تعني أن المملكة ضعيفة أو عاجزة عن حماية نفسها، لا والله. فالمملكة تمتلك من الرجال والكفاءات والإمكانات العسكرية والقدرات الدفاعية ما يمكّنها من حماية سيادتها والتعامل مع التهديدات. وهي حين تدعو إلى موقف دولي مسؤول لا تستجدي حماية من أحد، بل تؤكد أن أمن الدول مسؤولية مشتركة، وأن حماية المنشآت المدنية ليست مسؤولية الدولة المستهدفة وحدها.

اعلان

أما الرسالة الثالثة إلى الدول التي تمد الحوثيين بالسلاح أو التمويل أو الغطاء السياسي: فإن كل دعم يثبت استخدامه في الاعتداء على المدنيين والمنشآت الحيوية يرتب مسؤوليات قانونية وسياسية جسيمة. ولا يمكن الحديث عن السلام مع استمرار تدفق أدوات الحرب إلى الجهات التي تستخدمها لتهديد سيادة الدول وأمن الشعوب.

والرسالة الرابعة إلى المجتمع الدولي بأسره: لقد حان الأوان لمعالجة الخطر العسكري الحوثي من جذوره، وتفكيك قدراته المستخدمة في الاعتداءات، وتجفيف مصادر تمويله وتسليحه، ومحاسبة قياداته والمتورطين في جرائمه. فلم يعد مقبولاً أن تبقى حياة الأبرياء وأمن الدول المجاورة رهينة لجماعة مسلحة، أو أن تتحول الهدن إلى فرص لإعادة بناء أدوات التهديد.

أما الرسالة الخامسة إلى الداخل اليمني: فقد حان وقت استعادة الدولة ومؤسساتها، وإنهاء هيمنة الحوثيين على القرار الوطني بقوة السلاح. فاليمن يستحق دولة ذات سيادة، لا أن تبقى أراضيه منطلقاً للاعتداءات التي تعرّض شعبه وجيرانه للخطر. ولا بد من مسار يعيد سلطة الدولة ومؤسساتها، ويحاسب المسؤولين عن الجرائم، ويحمي المدنيين من استمرار دوامة الحرب.

ولعل ما كتبه صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل في مقاله «قولٌ موعودٌ وفعلٌ منشودٌ»، المنشور في صحيفة الشرق الأوسط، يقدم قراءة مهمة لحقيقة الموقف السعودي. فقد تناول سموه سنوات الصبر السعودي أمام استفزازات الحوثيين، وحرص المملكة على تفادي الاقتتال وإتاحة الفرصة للحلول السلمية، مستحضراً نهج الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، في الجمع بين الحكمة والحزم، والحرص على حقن الدماء دون التفريط في السيادة.

وهنا رسالة من صفحات التاريخ ينبغي على قيادة الحوثيين أن تقرأها جيداً قبل أن تتمادى في حساباتها الخاطئة: فلتعد إلى عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، ولتقرأ تاريخ المواجهة السعودية مع الحكم الإمامي في اليمن عام 1934، حين تولى الأمير فيصل بن عبدالعزيز قيادة القوات السعودية على الجبهة اليمنية، وحققت القوات السعودية تقدماً عسكرياً بارزاً في زمن كانت فيه الإمكانات العسكرية محدودة، والأسلحة بسيطة قياساً بما تمتلكه الجيوش الحديثة. لقد أثبتت المملكة آنذاك قدرتها على حشد رجالها والدفاع عن مصالحها وتحقيق أهداف عسكرية مهمة، رغم تحديات الجغرافيا وظروف ذلك العصر.

وإذا كانت المملكة قد أثبتت قوتها في عهد التأسيس بإمكانات ذلك الزمن، فكيف بها اليوم وهي تمتلك قوات مسلحة حديثة، ومنظومات دفاعية متطورة، وقدرات عسكرية كبيرة، ورجالاً يدينون بالولاء لله سبحانه وتعالى ثم لوطنهم وقيادتهم؟ إن الفارق بين إمكانات الأمس واليوم كبير، لكن الثابت هو مكانة السيادة الوطنية في حسابات الدولة السعودية. وعلى من يهدد أمن المملكة أن يقرأ التاريخ جيداً، وأن يدرك أن تجاهل دروسه وسوء تقدير موازين القوة قد يقودان إلى عواقب مصيرية.

ومن هنا تأتي الرسالة الأشد وقعاً إلى قيادة الحوثيين: اتقوا شر الحليم إذا غضب. فلا ينبغي أن يُفسَّر ضبط النفس السعودي على أنه عجز، ولا أن يُقرأ الحرص على حقن الدماء باعتباره تردداً. فالصبر لا يعني القبول باستمرار الاعتداءات، والحلم لا يلغي الحق المشروع في الدفاع عن النفس. ومن يراهن على استنزاف صبر المملكة عليه أن يعيد حساباته، وأن يميز بين دولة تختار الحكمة ودولة تعجز عن حماية نفسها.

إن استمرار الاعتداءات قد يفرض خيارات حاسمة ومشروعة لإنهاء القدرة على تكرارها، ولن يكون الاستقواء بالخارج بديلاً عن احترام سيادة الدول، كما لن تكون المطالبة بهدنة جديدة ذات قيمة ما لم تقترن بوقف فعلي للاعتداءات وضمانات تحول دون عودتها. فالتاريخ يسجل مصائر الجماعات المسلحة ونتائج خياراتها، ولا يمنح أحداً حصانة دائمة من المحاسبة.

إن المملكة العربية السعودية ليست ساحة مستباحة، وأمن مواطنيها والمقيمين على أرضها ليس مجالاً للمساومة أو الاختبار. كما أن مطالبة العالم بموقف مسؤول لا تنتقص من قوتها، بل تؤكد مبدأً ثابتاً: أن الاعتداء على دولة ذات سيادة وتهديد منشآتها المدنية قضية تمس مصداقية النظام الدولي بأسره.

والرسالة الأخيرة إلى كل من يراقب هذه الاعتداءات من بعيد: لا تراهنوا على أن النار ستظل بعيدة عنكم، ولا تتصوروا أن الصمت عن تهديد دولة سيحمي بقية الدول. فالإرهاب الذي لا يحترم المواثيق ولا الأعراف لا يقدم ضمانة بأنه سيتوقف عند حدود جغرافية معينة، ومن يترك الخطر يتمدد اليوم قد يضطر إلى مواجهته غداً في ظروف أشد تعقيداً.

لقد حان وقت الانتقال من الإدانة إلى المحاسبة، ومن القلق إلى الإجراءات، ومن إدارة الخطر الحوثي إلى إنهاء قدرته على تهديد الدول والمدنيين. فاتقوا شر الحليم إذا غضب، ولا تخلطوا بين صبر المملكة وضعفها؛ فالحكمة ليست عجزاً، وضبط النفس ليس استسلاماً، وحماية الأوطان حق لا يسقط مهما طال الصبر.

رحم الله الشهداء، وشفى المصابين، وحفظ المملكة العربية السعودية قيادةً وشعباً، وأعاد إلى اليمن أمنه واستقراره وسيادة دولته
كتبه
د/تركي بن محمد العبدالله الداود

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى