في هذه الأيام، يعيش مزارعو رنية موسمًا صعبًا. على الرغم من أن أشجار النخيل في المحافظة ما زالت تمنح الأرض سخاءها، إلا أن المزارعين يواجهون مشكلة أكبر من العناية بالنخيل والريّ والحصاد؛ إنها مشكلة التسويق.
التمور التي تعبُرُ أيديهم من بساتين عامرة، تُباع بأسعار لا تكاد تغطي الجهد والتكلفة. فتمر الصفري، أحد الأصناف الشهيرة في رنية، يتراوح سعره بين 20 و25 ريالًا للصندوق الذي يزن نحو 21 كيلوغرامًا، بينما لا يتجاوز سعر تمر السري 40 إلى 55 ريالًا. هذه الأرقام، كما يقول المزارعون، ليست سوى انعكاس لأزمة ممتدة: “المنتج موجود، لكن السوق غائب”.
رنية ليست محافظة هامشية في خريطة النخيل السعودية. فبحسب إحصاءات محلية، تنتج مزارعها أكثر من ألف طن من التمور سنويًا، ويعمل في هذا القطاع أكثر من ألفي مزارع. ورغم أن المملكة تُعَد من أكبر الدول المنتجة للتمور عالميًا، إلا أن جزءًا من إنتاج رنية يظل حبيس المخازن أو يُباع بأسعار زهيدة.
الغياب الملحوظ للمهرجان السنوي للتمور، الذي كان فيما مضى يفتح أبواب التسويق ويجذب التجار والمستثمرين، جعل المزارعين في مواجهة مباشرة مع السوق دون سند تنظيمي أو منصة ترويجية. ويشير كثيرون إلى أن هذا الغياب هو السبب الرئيس في تراجع المبيعات هذا الموسم، خاصة مع قلة حركة التجار في المحافظة.
المزارعون هنا يتحدثون بلهجة يملؤها القلق. فالمحصول الذي يكدّون في رعايته طوال العام قد يضيع جزء كبير من قيمته بمجرد غياب آلية تسويق عادلة. بعضهم بات يفكر في تقليص المساحات المزروعة بالنخيل أو الامتناع عن التوسع في زراعة أصناف جديدة، وهو مؤشر خطير على مستقبل قطاع يعد من ركائز الأمن الغذائي.
أما الخبراء، فيرون أن الحل لا يكمن فقط في دعم الأسعار، بل في بناء منظومة تسويقية شاملة تبدأ بإحياء مهرجان رنية للتمور وتطويره، وتمر بدعم الجمعيات التعاونية التي يمكنها تولي عمليات الفرز والتعبئة والتغليف، وصولًا إلى فتح قنوات تسويق حديثة عبر التجارة الإلكترونية وربط المزارع مباشرة بالمستهلك. كما يطالبون بتمكين مزارعي رنية من المشاركة في مهرجانات التمور الكبرى في المملكة مثل مهرجانات القصيم والأحساء، التي نجحت في ربط الإنتاج المحلي بالأسواق الداخلية والخارجية.
في نهاية المطاف، تبقى المشكلة واضحة وضوح الشمس: الوفرة في الإنتاج وحدها لا تكفي، فما لم يجد هذا الإنتاج طريقه إلى المستهلك عبر قنوات تسويق منظمة وعادلة، سيظل المزارعون في رنية يواجهون المعادلة الصعبة بين الجهد المبذول والعائد الغائب















