
في العمل الإعلامي الميداني، لا تقتصر رسالة الصحفي على نقل الخبر المجرد، بل تمتد لتكون جسراً إنسانياً يصل صوت الاحتياج التنموي إلى أصحاب القرار.
يعود بي الشريط إلى أواخر تسعينيات القرن الهجري الماضي (مطلع القرن الخامس عشر الهجري)، حين كنتُ أعمل محرراً صحفياً لصحيفة «الجزيرة» في محافظة رنية، متخذاً من الجوانب التنموية للمحافظة ومراكزها أولوية لقلمي. ومع افتتاح المكتب الورقي للصحيفة بالمحافظة عام 1425 هـ، شَرُفتُ بتكليفي مديراً له.
الدعوة والخبر الصحفي المرتقب
في صباح أحد الأيام، عند الساعة التاسعة، زارني بالمكتب شيخ قبيلة المكاحلة، الشيخ ذعار بن فضاء بن هذال المكحلي السبيعي – رحمه الله – ودعاني بلطفه المعهود لزيارته في الصباح الباكر لتناول وجبة الإفطار، مؤكداً أن ثمة أمراً بالغ الأهمية يود إطلاعي عليه.
أدركتُ بالحس الصحفي أن خلف الدعوة قضية تستحق التوثيق، فأبلغتُ المصور الخاص بالمكتب ليكون على أهبة الاستعداد. وفي صبيحة اليوم التالي، وبعد أن حللنا ضيوفاً على الشيخ، طلب منا مرافقته عبر سيارة «جيب» متوجهين نحو قرية «الغافة»، قبل أن ننعطف عبر المفرق المؤدي إلى «وادي غيب».
المعاناة تحت هجير الشمس
أفضى بنا الطريق إلى صحراء قاحلة تتخللها ملامح الطبيعة القاسية، وهناك استوقفتنا خيام منصوبة وسط العراء. سألتُ الشيخ ذعار عن المشهد، فأجاب بنبرة تحمل حرقة الأب والمسؤول: «هؤلاء أبناؤك من المكاحلة، يخوضون رحلة العلم في هذه الخيام دون مدرسة تتكفل بحمايتهم. وأنت اليوم صوت المحافظة وأهلها، ونأمل أن تصل رسالتنا عبر قلمك إلى ولاة الأمر».
كان المشهد لافتاً ومؤثراً؛ طلابٌ يجلسون تحت وطأة الحرارة اللاهبة داخل خيام متهالكة، بينما يتخذ المعلمون ومديرهم من غرف خشبية مؤقتة (صنادق) ومظال الأشجار مكاناً لتحضير الدروس وإدارة المدرسة. وجّهتُ المصور بتوثيق تلك التفاصيل من زوايا متعددة، وغادرنا الموقع تمهيداً لصياغة التقرير.
وفي صبيحة اليوم الثالث، نُشر التقرير الصحفي على صفحات «الجزيرة» تحت عنوانٍ يجسد واقع الحال:
«طلاب يدرسون تحت هجير الشمس.. ومعلمون يحضّرون الدروس تحت ظلال الأشجار».
قوة الكلمة وتحول الوادي
لم يتأخر أثر القلم؛ إذ استفسر الديوان الملكي فور نشر الخبر من وزارة المعارف عن تفاصيل الموضوع، وصدرت التوجيهات العاجلة من وزير المعارف آنذاك، الدكتور محمد بن أحمد الرشيد – رحمه الله – بالتنسيق مع مدير تعليم الطائف الدكتور عبدالله بن حسون المسعودي، بإنشاء مدرسة حكومية متكاملة المبنى والخدمات في الموقع ذاته.
الخاتمة
لم تكن في الوادي حينها أي منشأة تعليمية أو خدمية، فكانت تلك المدرسة النواة الأولى التي دارت حولها عجلة التنمية والتطوير؛ حتى أضحت المنطقة اليوم قرية غناء مكتملة الخدمات والمرافق والمؤسسات.
تقف هذه الواقعة في ذاكرتي واحدة من أبهى قصص النجاح الصحفي، والتي أثبتت أن الكلمة الصادقة، متى ما أُخلصت في نقل معاناة الناس ولامست مكامن الاحتياج، قادرةٌ على صنع الفارق وإحداث الأثر التنموي المستدام.
مدرسة تحت الشجرة: رسالة صحفية غيرت وجه الوادي
بقلم: محمد سعد آل ماضي
أضواء الوطن
- 27/08/2026
- 3533
شاركها
-
وزارة الطاقة ترصد 723 مخالفة خلال شهر سبتمبر 2026ممنذ 34 دقيقة
-
عبدالله الحضبي
انت دائماً متميز يا بو حمود بيض الله وجهك على الكلمة الوطنية...
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
أخبار المجتمع














