/
/
صنعاء القديمة… نبوءة الطين التي تتهجى معاول الهدم

صنعاء القديمة… نبوءة الطين التي تتهجى معاول الهدم

Picture of بقلم _ صلاح الطاهري

بقلم _ صلاح الطاهري

منذ أن شرع سام بن نوح في نسج أولى خطوط هذه الأعجوبة القائمة بين المتاحف المفتوحة تحت السماء، وصنعاء القديمة ليست مجرد جغرافيا من الياجور والجبس، بل هي قصيدة حضارية كُتبت بالطين والضوء، وتجلٍي عبقري لإنسان يمني روّض الفضاء المعماري فجعل من شرفات القمريات حارسةً لزمن لا يموت.
هذه المدينة التي تنفرد بهندستها الرأسية الفريدة وأسواقها التي تفوح بنكهة البن ورائحة البخور واللبان لآلاف السنين، تقف اليوم -وا أسفاه- أمام طور وجودي مرعب هو الأكثر قتامة في تاريخها الممتد، مدفوعةً بنذر كارثة حقيقية تهدد بطردها من قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.

إن التحذير الرسمي المزلزل الذي أطلقته الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مؤخراً لا يمثل شكوى ديبلوماسية فحسب ضد العبث، بل هو مرثية مسبقة لهوية بصرية فريدة تتعرض لعملية اغتيال حضاري صامتة وممنهجة تقودها الميليشيات الحوثية في وضح النهار.
فما يحدث خلف الأسوار التاريخية العتيقة وفي محيط الجامع الكبير في صنعاء القديمة ليس مجرد إهمال أفرزته سنوات الحرب العجاف، بل هو تجريف وعي مبرمج يستبدل المعمار الطيني التاريخي بكتل إسمنتية فجة، ويستبيح الحرم الأثري للمدينة عبر بيع وتأجير ساحاتها ومقاشمها التراثية لتحويلها إلى دكاكين تجارية وأسواق عشوائية نفعية تخدم مصالح سلالية ضيقة.
إن هذا الإقحام الفج للمواد الحديثة والخرسانة المسلحة في ترميمات مشبوهة، ينزع عن صنعاء القديمة وثيقة أصالتها الكونية التي جعلتها ملكاً للإنسانية جمعاء، ويهبط بها من مقعد الريادة الحضارية إلى قاع العشوائية والتشويه البصري.
وتغدو الفاجعة أكبر حين ندرك أن طمس ملامح صنعاء هو طمس للذات اليمنية الجمعية وإفراغ لليمن من رصيده الرمزي وتاريخه الحي الذي ألهم الرحالة والمؤرخين عبر العصور، وهو ما يضع منظمة اليونسكو والمجتمع الدولي بأسره أمام اختبار أخلاقي حرج يتطلب مغادرة مربع الصمت وتفعيل أدوات الضغط الدولية لحماية هذا الإرث الإنساني العظيم من معاول الجهل والخراب، قبل أن تتحول هذه الجوهرة الحية النابضة إلى ركام من الذكريات المنسية التي لا تجد لها مأوى سوى بطون الكتب.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى