ليست مكة المكرمة مدينةً في هامش الصراعات، ولا يجوز أن يصبح توجيه السلاح نحوها خبرًا عابرًا. فحين تتجه طائرة مسيّرة نحو العاصمة المقدسة، فإن المسألة تتجاوز حدود السعودية؛ لأن الحديث هنا عن قبلة المسلمين وأقدس بقاعهم.
لقد أعلنت السعودية اعتراض طائرة مسيّرة أطلقها الحوثيون باتجاه مكة المكرمة وتدميرها جنوب المدينة قبل دخولها المجال الجوي المحظور. والواقعة تؤكد جاهزية المملكة وقدرتها على حماية أراضيها ومقدساتها، وهي صاحبة المسؤولية السيادية الأولى عن أمن الحرمين الشريفين وحماية الحجاج والمعتمرين.
لكن إسقاط المسيّرة لا يُسقط خطورة ما حدث.
فمكة ليست ساحة لتصفية الحسابات، والمسجد الحرام ليس ورقة في صراع، والاقتراب بالسلاح من قبلة المسلمين لا ينبغي أن يقابل ببيانات إدانة عابرة ثم يُطوى الملف.
وللتاريخ هنا عبرة لا يمكن تجاهلها.
حين قصد أبرهة وجيشه الكعبة يريدون هدمها، جاء بما امتلكه عصره من قوة، فخلّد القرآن مصير أصحاب الفيل: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾.
ذهب أبرهة وجيشه، وبقي البيت.
واليوم تغيرت أدوات القوة؛ لم يعد هناك فيل، بل صواريخ ومسيّرات. لكن مكة هي مكة، والكعبة هي الكعبة، وحرمة البيت لم تتغير.
ولا يعني استحضار أصحاب الفيل مطابقة الواقعتين أو الجزم بمصير غيبي لأحد، لكنه يستحضر عبرة راسخة في الوجدان الإسلامي: من يجعل مكة غاية لسلاحه يضع نفسه في ذاكرة المسلمين إلى جوار من تجرأوا عبر التاريخ على حرمة البيت.
وهنا لا تقف المسؤولية عند السعودية وحدها.
فإذا كانت حماية مكة عسكريًا وأمنيًا مسؤولية المملكة وسيادتها التي لا ينازعها فيها أحد، فإن الدفاع عن حرمتها موقف يجب أن يعني المسلمين جميعًا. فهذه قبلتهم جميعًا، وإليها يتجهون في صلاتهم، وإليها يحجون من مشارق الأرض ومغاربها.
ومن ثم، فإن مسؤولية الدول والشعوب والمؤسسات الإسلامية لا ينبغي أن تنتهي عند الاستنكار اللفظي. المطلوب مواقف وأفعال مشروعة واضحة: تحرك سياسي ودبلوماسي، وضغط دولي وقانوني، ومحاسبة للمسؤولين وفق الأطر المعمول بها، ورفض أي دعم يمكّن من تكرار الهجمات على المدن والمقدسات، والعمل جماعيًا لمنع تحول استهداف محيط مكة إلى أمر معتاد في صراعات المنطقة.
فمحاولة استهداف قبلة المسلمين ليست قضية سعودية داخل حدودها فحسب؛ إنها قضية تمس وجدان المسلمين جميعًا. والصمت أو الاكتفاء بعبارات الشجب لا يوازي جسامة أن يصل سلاح الصراع إلى محيط أقدس بقاع الإسلام.
السعودية أثبتت قدرتها على حماية مقدساتها، وأسقطت الخطر قبل دخوله المجال المحظور للعاصمة المقدسة. لكن قوة الدفاع السعودي ينبغي أن يوازيها موقف عربي وإسلامي ودولي جاد يضع أمن مكة والمدينة والحرمين خارج كل مساومة وصراع.
الدفاع عن مكة مسؤولية سعودية من حيث السيادة والسلاح، أما الوقوف في وجه من يستهدف حرمتها فمسؤولية سياسية وأخلاقية تعني المسلمين جميعًا.
ومن أبرهة إلى كل من يفكر في مد أدوات الحرب نحو البيت الحرام، تبقى العبرة القرآنية خالدة:
﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾.
ذهب أصحاب الفيل وبقي البيت، وستبقى مكة أكبر من صراعات العابرين، وأعظم من أن تصبح هدفًا في حساباتهم
بقلم د/تركي بن محمد العبدالله الداود













