ليس البيت العتيق بناءً تحيط به الجدران، ولا حجارةً سوداء تتجه إليها الوجوه فحسب؛ إنه قبلة القلوب، ومهوى الأفئدة، وأول بيت وُضع للناس، تتعلق به أرواح أكثر من ملياري مسلم، وتختصر رحابه معاني الإيمان ووحدة الأمة وقدسية المكان.
منذ أن قاد أبرهة الحبشي جيشه، تتقدمه الفيلة لهدم الكعبة، بقيت قصته شاهداً على أن لهذا البيت رباً يحميه؛ فردّ الله كيده، وجعل جيشه كعصف مأكول، وبعد قرون جاء القرامطة فاستباحوا حرمة المسجد الحرام، وقتلوا الحجاج، وانتزعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى «هجر»، ظناً منهم أن بوسعهم اقتلاع الكعبة من قلوب المسلمين، أو صرفهم عنها، فعاد الحجر إلى موضعه، وبقي البيت شامخاً، وذهب المعتدون تلاحقهم لعنة التاريخ.
واليوم، تتجدد صورة العدوان بوجه حوثي طائش، بعد أن أعلنت المملكة اعتراض مسيّرة أُطلقت باتجاه مكة المكرمة، وكأن أصحابها لم يقرؤوا التاريخ، ولم يدركوا أن الاقتراب من أم القرى ليس اعتداءً على المملكة وحدها، بل استفزاز لمشاعر الأمة الإسلامية كلها، وتجاوز لخط أحمر لا يقبل المساومة.
قد تتغير أسماء المعتدين، وتتبدل أدواتهم؛ من الفيلة إلى السيوف، ومن السيوف إلى الصواريخ والمسيّرات، لكن النتيجة واحدة: يذهب الطغاة وتبقى الكعبة، ويسقط المعتدي ويبقى البيت العتيق عزيزاً مصوناً، تهفو إليه القلوب، وتطوف حوله الأرواح قبل الأجساد.
أما الشعب السعودي، الذي شرّفه الله بخدمة الحرمين الشريفين، فيعلم أن حماية المقدسات ليست مهمةً عابرة، بل عقيدة وواجب وشرف؛ وسيقدم روحه ودمه وكل عزيز فداءً للبيت العتيق والوطن، صفاً واحداً خلف قائده وإمامه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، مؤمناً بأن أمن مكة والمدينة من أمن العقيدة والوطن.
ولن تقف المملكة وحدها؛ فالعالم الإسلامي، بمؤسساته وشعوبه ودوله، يصطف معها في حماية المقدسات؛ لأن الكعبة قبلة الجميع، وأمنها مسؤولية الأمة كلها.
إلى كل مَن تسوّل له نفسه العبث بحرمة البيت: اقرأوا مصير أبرهة والقرامطة، واعلموا أن لمكة رباً يحميها، ودولةً تحرسها، وشعباً يفديها، وأمةً تنتصر لها.
إلا البيت العتيق.. خبتم وخسئتم.













