لم تكن العنصرية يوماً مجرد سلوك عابر، بل هي أيديولوجية هدم تضرب في عمق الكرامة الإنسانية.
واليوم، تشهد المجتمعات صعوداً مقلقاً لما يُعرف بـ”العنصرية البذيئة” بجميع أشكالها، من تمييز عراقي، أو طبقي، أو ثقافي. هذه الظاهرة لم تعد ممارسات معزولة، بل تحولت إلى سلوك علني يتحدى الفطرة الإنسانية والتعاليم السماوية التي جاءت لتكريم الإنسان وضمان مساواته مع أخيه الإنسان.
تتجلى بذاءة هذه العنصرية الحديثة في محاولات “تطبيعها” داخل الحياة اليومية والفضاء الرقمي، حيث يُغلف التمييز والكراهية أحياناً بعبارات ساخرة أو نكات شعبية وإهانات لفظية.
هذا التميع الأخلاقي يقود تدريجياً إلى تآكل السلم الأهلي، ويزرع الشقاق بين مكونات المجتمع الواحد، متجاهلاً الحقيقة الإلهية الثابتة في القرآن الكريم:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}
فالأصل هو التعارف والتكامل، لا التناحر والتعالي.
إن مواجهة هذه البذاءة الفكرية لا تتطلب قوانين جديدة، بل تستدعي استيقاظاً حقيقياً للضمير الإنساني والعودة إلى الجوهر الأخلاقي للرسالة النبوية. لقد حسم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر منذ قرون في خطبة الوداع حين قال:
«يا أيُّها الناسُ، إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتقوى»
وبناءً على هذا التأصيل، يجب على الأسر والمؤسسات التعليمية والإعلامية بناء حصانة فكرية لدى الأفراد، تجعل من رفض السلوك العنصري ثقافة عامة، ويُجابه فيها العنصري بنبذ مجتمعي يجعله معزولاً بأفكاره الجاهلية، تذكراً لقوله صلى الله عليه وسلم
لأبي ذر حين عيّر رجلاً بأمه: «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»
في الختام، إن الصمت على العنصرية البذيئة هو تواطؤ في هدم المجتمع.
فالكرامة الإنسانية وحدة واحدة لا تقبل التجزئة.
والاعتداء على كرامة أي إنسان هو اعتداء على الإنسانية جمعاء.
لقد حان الوقت لتتحرك العقول الواعية من الداخل، وتتكاتف الجهود التربوية والإعلامية لتطهير الفضاءات العامة والرقمية من هذه البذاءة، وصياغة مستقبل يسوده العدل، المساواة، والاحترام المتبادل..














