لا يمكن لأي قوة في الأرض أن تطفئ نور الحقيقة، فهو كالشمس التي تشرق رغم كثافة الغيوم، وكالنور الذي يضيء الطريق مهما طال الظلام. هذا النور الساطع هو نور الإسلام، دين الحق الذي نزل رحمة للعالمين، ليكون منهج حياة ونبراسًا يهدي البشرية إلى طريق السلام والعدل. لقد وعد الله سبحانه وتعالى بأن يظهر دينه على الدين كله، وأن تصل رسالته إلى كل بيت وزاوية في هذا الكون، سواء أحب الكافرون ذلك أم كرهوا، فلا حول لهم ولا قوة أمام مشيئة الله، ولا يملكون شيئًا يستطيعون منع انتشار هذه الرسالة السماوية الخالدة. إن ما نشهده اليوم من انتشار الإسلام في كل أرجاء المعمورة، وتدفق القلوب نحوه، هو تحقيق لهذا الوعد الإلهي، وأصدق دليل على أنه الدين الحق الذي ارتضاه الله للناس أجمعين.
عندما ننظر إلى المشاهد المشرقة التي تملأ قلوبنا إيمانًا ويقينًا، نجد أن أصدقها ما يحدث في أقدس بقاع الأرض. في كل عام، يتجه ملايين البشر من كل جنس ولون وبلد نحو بيت الله الحرام في مكة المكرمة، يلبون نداء ربهم: «لبيك اللهم لبيك»، يتجمعون في مشهد مهيب تتحد فيه القلوب والأرواح قبل الأجساد، يطوفون حول الكعبة المشرفة، ويسعون بين الصفا والمروة، ويقفون على عرفات في خشوع وتضرع. هذا المشهد العظيم ليس مجرد طقوس دينية، بل هو تعبير حي عن وحدة الأمة، وعن أن الإسلام يجمع الناس على كلمة سواء، بلا تمييز أو تفرقة.
وفي المدينة المنورة، حيث المسجد النبوي الشريف، منبع الدعوة ومهد الرسالة، تمتلئ الأركان بالمصلين والزائرين الذين يأتون من كل حدب وصوب، ليصلوا ويسلموا على نبي الرحمة ﷺ، ويتعلموا من معين العلم والحكمة الذي فاض من هذا المكان المبارك. هنا كانت بداية الانطلاق، ومن هنا انتشر النور ليصل إلى كل مكان، محملًا بقيم الخير والحق والجمال.
وإلى الشمال، في القدس الشريف، يقع المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين، حيث صلى النبي ﷺ بالأنبياء جميعًا في رحلة الإسراء والمعراج. ورغم كل ما مر به من ظروف صعبة وتحديات، إلا أنه لا يزال شامخًا، تمتلئ ساحاته بالمصلين في كل وقت، ليبقى رمزًا للصمود والثبات، ودليلًا على أن الحقيقة لا تموت، وأن الإسلام متجذر في أعماق التاريخ والوجدان الإنساني. هذه المساجد الثلاثة هي نقاط الإشعاع التي انطلق منها نور الإسلام، لينتشر في القلوب قبل البيوت، ويملأ الدنيا كلها بالهداية والنور.
ما يحدث اليوم يفوق كل التوقعات، فالإسلام ينتشر بوتيرة متسارعة في جميع أنحاء العالم، ليصبح الدين الأسرع نموًا على الإطلاق، وفقًا لجميع الدراسات والإحصائيات الدولية. فقد ارتفع عدد المسلمين من 220 مليون نسمة فقط في بداية القرن العشرين، إلى أكثر من ملياري نسمة في عام 2026، أي ما يمثل ربع سكان الأرض تقريبًا، ومن المتوقع أن يصل إلى ثلث البشرية بحلول منتصف القرن الحالي.
وفي أوروبا، التي كانت تعتبر قارة مسيحية بالكامل، تزايد عدد المسلمين بشكل لافت، حيث وصل اليوم إلى أكثر من 45 مليون نسمة، أي نحو 6% من إجمالي السكان، ومن المتوقع أن تتضاعف هذه النسبة لتصل إلى أكثر من 10% بحلول عام 2050. وتتركز أعداد كبيرة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا، حيث يشكل المسلمون في روسيا وحدها أكثر من 16 مليون نسمة، ليصبحوا ثاني أكبر مجموعة دينية في البلاد، ويمتزجون في نسيج المجتمع، ويشهدون نموًا مستمرًا وازدهارًا في بناء المساجد والمراكز الإسلامية.
وفي أمريكا الشمالية، يتزايد الاهتمام بالإسلام، ويتضاعف عدد معتنقيه عامًا بعد عام. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، يوجد اليوم ما بين 3.5 إلى 4 ملايين مسلم، وهم من أكثر الفئات نموًا، ويعملون في مختلف الميادين، ويحظون باحترام متزايد، وتنتشر المساجد في كل ولاية ومدينة، لتكون منارات للهداية والتسامح. أما في كندا، فقد تضاعف عدد المسلمين ثلاث مرات خلال العقود الثلاثة الماضية، وأصبح لهم حضور قوي ومؤثر في الحياة العامة.
وحتى في الصين، التي كانت تُعرف بانغلاقها الديني، يشهد الإسلام انتشارًا ملحوظًا ونموًا مطردًا، حيث يقدر عدد المسلمين اليوم بأكثر من 30 مليون نسمة، يعيشون في مختلف أنحاء البلاد، ولهم تاريخ عريق يمتد لأكثر من ألف عام، ويشهدون اليوم حرية أكبر في ممارسة شعائرهم، وبناء مساجدهم، ونقل تعاليم الدين للأجيال الجديدة.
ولا يقتصر هذا النمو على هذه الدول فقط، بل يمتد ليشمل جميع دول العالم، من أستراليا ونيوزيلندا إلى أمريكا اللاتينية وأفريقيا، حيث ينتشر الإسلام في كل قرية ومدينة، ويدخل البيوت والقلوب، بجمال تعاليمه وسماحة مبادئه. هذا الانتشار لم يأتِ بسيف أو قوة، بل جاء بصدق الكلمة، وجمال الأخلاق، ورحمة التعامل، فدخل إلى القلوب أولًا، ثم استقر في البيوت.
إن جوهر الإسلام وقيمه هي السبب الحقيقي وراء انتشاره وثباته عبر العصور. فهو دين الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يقوم على أساس التوحيد الخالص، والعدل المطلق، والرحمة الشاملة. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، فالرحمة هي روح هذا الدين، والتسامح هو سمة أساسية من سماته.
الإسلام لا يعرف الإجبار في الدين، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. لقد انتشر الإسلام بجمال تعاليمه، وسماحة أخلاق أتباعه، وعدالته التي شملت الجميع مسلمين وغير مسلمين. هو دين يدعو إلى احترام الآخر، والتعايش السلمي، والتعاون على الخير، ويحارب الظلم والعدوان بكل صوره. لقد فتح أبوابه لكل من يبحث عن الحقيقة، وقدم للبشرية منهجًا متكاملًا يلبي حاجات الروح والجسد، والفرد والمجتمع، في كل زمان ومكان.
على مر التاريخ، ساهم المسلمون في بناء الحضارات، ونشر العلم والمعرفة، وأقاموا العدل في كل مكان وصلوا إليه. لم ينتشر الإسلام بالسيف كما يزعم البعض، بل انتشر بصدق الدعوة، وجمال الأخلاق، وعدالة التعامل، فدخل القلوب أولًا، ثم دخل البيوت والمدن. وهذا ما يفسر استمرار نموه وانتشاره حتى يومنا هذا، حيث يعد الدين الأسرع نموًا في العالم، ويصل عدد معتنقيه إلى أكثر من ملياري نسمة في كل قارات الأرض.
مهما حاول البعض تشويه صورة الإسلام، أو إعاقة مسيرته، أو إثارة العداء ضده، فإن جهودهم تذهب أدراج الرياح. فالتاريخ يروي أن من حاولوا وقف هذا النور باءوا بالفشل، ومن سعوا لطمس الحقيقة انتهى بهم الأمر إلى الزوال، بينما بقي الإسلام شامخًا متجددًا. فالحقيقة قوية بطبيعتها، والنور لا يمكن حجبه، والحق منتصر في النهاية لا محالة.
إن ما نشهده من نمو متزايد في كل دول العالم، من أوروبا وروسيا وأمريكا إلى الصين وكل مكان، هو دليل قاطع على أن هذا الدين يتوافق مع الفطرة الإنسانية السوية، وأنه يحمل الحلول لمشاكل البشرية، وأنه رسالة السلام والعدل التي يبحث عنها الناس في كل زمان ومكان.
في الختام، ندرك أن ما نعيشه من انتشار الإسلام واتساع رقعته هو جزء من سنة الله في الكون، وتحقيق لوعده الصادق. لا يمكن لأحد أن يطفئ نور الحقيقة، ولا قوة تستطيع أن تقف في وجه مشيئة الله. الإسلام سيدخل كل بيت وزاوية في هذا العالم، ليحمل معه رسالة السلام والتسامح والعدل، سواء أحب الكافرون ذلك أم أبغضوه، فلا حول لهم ولا قوة أمام إرادة الله.
إن المساجد المقدسة في مكة والمدينة والقدس ليست مجرد معالم تاريخية، بل هي شواهد حية على عظمة هذا الدين وخلوده، ومصدر إلهام يمد الأمة بالطاقة واليقين بأن مستقبل الإسلام مشرق ومزهر. وما نشهده من تزايد أعداد المسلمين في كل قارات الأرض، من أوروبا وروسيا وأمريكا والصين وسواها، ما هو إلا خطوة في مسيرة طويلة ممتدة، تؤكد أن النور ساطع، والحقيقة ظاهرة، والإسلام مستمر في مسيرته الخالدة، حتى يملأ الدنيا كلها بالهداية والخير، ويحقق للبشرية السعادة والسلام التي تبحث عنها منذ أمد بعيد. هذا هو وعد الله، والله لا يخلف وعده.
بكل مشاعر الود والاحترام، نرفع أسمى آيات الشكر والعرفان إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز –حفظهما الله ورعاهما– على ما يبذلانه من جهود جبارة وعناية فائقة بالحرمين الشريفين، وعلى مواقفهما الثابتة والداعمة لقضية المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
ومع حلول عيد الأضحى المبارك، نرفع أصدق التهاني والتبريكات إلى مقام خادم الحرمين الشريفين وولي عهده
، بمناسبة عيد الأضحى المبارك، وأن يديم على مملكتنا الغالية نعمة الأمن والاستقرار والازدهار .
عيد أضحى مبارك سعيد، وكل عام وأنتم والأمة الإسلامية جمعاء بخير وسلام وبركة.














