/
/
بين العقيدة والسلطة: الحركات الدينية بين سرديات النفوذ وتحديات الدولة الحديثة

بين العقيدة والسلطة: الحركات الدينية بين سرديات النفوذ وتحديات الدولة الحديثة

Picture of بقلم _ عبدالحميد سعيد علي المالكي

بقلم _ عبدالحميد سعيد علي المالكي

في مشهدنا الإقليمي المضطرب، تتداخل أبعاد الدين والسياسة بطرق معقدة، وتبرز الحركات العقائدية كقوة فاعلة تتجاوز في نشاطها وتوجهاتها حدود الدول والأنظمة المعروفة. ويبقى الجدل حولها مستمرًا، فهناك من يراها مشروعًا يهدف إلى الإصلاح والنهوض بالهوية والقيم، بينما يعتبرها آخرون أداة لتحقيق النفوذ وتوسيع المصالح الخاصة أو الخارجية. ومن هنا تبرز الأسئلة الملحة: ما هي الأسباب الحقيقية لظهور هذه الحركات؟ وهل هي نتاج للظروف الداخلية المحلية فقط، أم أنها جزء من شبكة تفاعلات ومصالح دولية أوسع نطاقًا؟ والأهم من ذلك كله، كيف يمكن للمجتمعات والدول التعامل معها بطريقة سليمة تبتعد عن التبسيط المخل أو التهويل المبالغ فيه؟

وعندما نستعرض نشأة أبرز هذه الحركات وطبيعتها، نجد أن الصورة ليست كما تُروى في بعض الروايات التي تصفها بأنها بدأت كحركات دعوية بحتة ثم انحرفت إلى العمل السياسي لاحقًا. فمثلاً حركة الإخوان المسلمين التي تأسست في ظل ظروف تاريخية حساسة، جاءت كرد فعل مباشر على سقوط الخلافة الإسلامية، وكان هدفها الرئيسي منذ نشأتها هو العودة إلى هذا النظام، وهو هدف ذو طبيعة سياسية بامتياز. ومن هنا جاءت لغتها ومفاهيمها، فهي تعتمد على مصطلح «الأمة» كإطار مرجعي لها، ولا تعترف بمفاهيم الوطنية أو الحدود الجغرافية التي قامت عليها الدول الحديثة، بل ترى أنها تجمع أتباعها ضمن إطار يتجاوز هذه الحدود. وبالفعل، كانت أساليبها منذ البداية تحمل طابعًا سياسيًا وحركيًا، فلم تقتصر على الدعوة والوعظ، بل استخدمت وسائل عديدة مثل الحشد الجماهيري، وتنظيم المظاهرات، وممارسة الضغط على الجهات الحاكمة، وكلها أدوات وطرق تندرج في إطار العمل السياسي بكل وضوح.

وفي سياق آخر، قدمت فكرة ولاية الفقيه التي طرحها الخميني نموذجًا مختلفًا تمامًا، حيث تقوم على دمج السلطة الدينية بشكل مباشر في بنية النظام الحاكم، وهو النموذج الذي تم تطبيقه فعليًا في إيران بعد نجاح الثورة هناك، ليصبح النظام السياسي قائمًا على أسس عقائدية تحدد شكل الحكم وآليات اتخاذ القرار.

ومع مرور الوقت، أصبحت سرديات الدعم الخارجي لهذه الحركات جزءًا أساسيًا من النقاش العام، حيث تُطرح دائمًا تساؤلات حول مدى تدخل القوى الدولية في نشأتها أو دعمها أو توجيه مسارها. فهناك روايات تتحدث عن وجود أدوار لقوى أجنبية، كبريطانيا في المراحل المبكرة من تاريخ حركة الإخوان، أو تواصلات مع جهات أوروبية قبل عودة الخميني إلى إيران، لكن من الضروري هنا التمييز الواضح بين ما هو موثق تاريخيًا من وقائع، وما هو مجرد تحليل سياسي أو تفسير لاحق للأحداث.

وحتى اليوم، لا يوجد إجماع أكاديمي أو تاريخي قاطع يثبت أن أجهزة استخباراتية أو قوى دولية ما قامت بإنشاء هذه الحركات من الصفر أو تحكمت فيها بشكل كلي ومباشر. أما ما تؤكده الدراسات والبحوث الموثوقة فهو أن هناك تقاطعات في المصالح قد تحدث مؤقتًا بين هذه الحركات والقوى الدولية، كما أن هناك محاولات من كلا الجانبين للاستفادة من بعضهما البعض، خاصة في فترات التوترات الدولية كفترة الحرب الباردة أو أثناء الصراعات الإقليمية المختلفة. وبالتالي، فإن اختزال نشأة هذه الحركات ووجودها في كونها مجرد «صناعة خارجية» يُبسط الواقع المعقد بشكل مخل، ويغفل عن العوامل الداخلية والظروف المحلية التي ساهمت في ظهورها وانتشارها.

اعلان

ومهما كانت طبيعة نشأة هذه الحركات، فإنها تمر جميعها بمرحلة تحول مهمة عندما تصل إلى مرحلة النفوذ والقدرة على التأثير، فكثير منها يبدأ بخطابات جذابة تعد بالإصلاح والعدالة، لكنها عندما تتمكن من الحصول على مكانة قوية أو الوصول إلى مواقع القرار، تتغير أولوياتها وطبيعة عملها. وهنا تظهر المعضلة الحقيقية، حيث تتحول من مجرد فكرة أو دعوة إلى كيان مؤسسي له بنيته وهياكله، وتتشكل نخب قيادية تدير شؤونه، وتتداخل المصالح السياسية والاقتصادية في عمله، ليصبح الحفاظ على النفوذ والسلطة هدفًا بحد ذاته يسبق في كثير من الأحيان الأهداف التي أُعلنت في البداية. وهذه السمة ليست حصرية على الحركات ذات الطابع الديني، إلا أنها تكتسب طابعًا خاصًا وخطيرًا عندما تستند إلى مرجعية دينية تمنحها الشرعية وتجعلها قادرة على تعبئة أعداد كبيرة من الأفراد بسهولة.

وتتضح أبعاد هذا الوضع بشكل أكبر في الدول التي تعاني من ضعف مؤسساتها أو انقساماتها، كما هو الحال في لبنان والعراق واليمن ، حيث ساهمت مجموعة من العوامل في تفكك بنية الدولة وتراجع قدرتها على القيام بوظائفها، ومنها الصراعات الداخلية، والتدخلات الخارجية، والهشاشة في البنية المؤسسية والاجتماعية. وفي هذه الظروف، وجدت الحركات العقائدية بيئة مناسبة لكي تبرز كقوى منظمة قادرة على ملء الفراغ الناتج عن غياب الدولة، وتقديم خدمات أو حلول تحظى بقبول فئات من المجتمع، مع العلم أن هذه الحركات لم تكن هي السبب الرئيسي في حدوث هذه الأوضاع، بل كانت جزءًا من مجموعة متشابكة من العوامل التي أدت إليها.

ويُعد النموذج الإيراني مثالًا بارزًا على هذا التداخل بين الدين والسلطة، فهو يجمع بين مؤسسات الدولة الحديثة وهياكلها الإدارية، وبين سلطة دينية تمتلك اليد العليا في تحديد السياسات والقرارات الكبرى. ويعتمد هذا النموذج على أدوات الدولة التقليدية، وفي نفس الوقت يمتلك شبكات نفوذ تمتد خارج حدوده، مما يجعله فاعلًا إقليميًا يخترق المفاهيم التقليدية للدولة وحدودها المعترف بها.

أما عن كيفية التعامل مع هذه الظاهرة، فلا يكفي في ذلك إطلاق الشعارات أو الاكتفاء بالمواقف العامة، بل يتطلب الأمر وضع استراتيجية شاملة ومتكاملة تراعي خصوصية كل مجتمع، خاصة في مجتمعنا السعودي الذي يتمتع بخصوصية دينية وثقافية واجتماعية فريدة، وتقوم هويته على أسس راسخة من القيم والانتماء. ويمكن تلخيص أبرز محاور هذه الاستراتيجية فيما يلي:

أولاً، تعزيز الوعي والفهم الصحيح، ويأتي ذلك من خلال إدراج مهارات التفكير الناقد ضمن المنظومات التعليمية والتثقيفية؛ إذ تُوسّع المدارك، وتُنمّي القدرة على التمييز والفرز، وتجعل الفرد أقلَّ عرضة للاختراق أو الاستخفاف. كما أن ترسيخ ثقافة السؤال الجيّد والمتين يُنشئ لدى الإنسان مناعة فكرية؛ فلا ينجرف خلف الأطروحات الصاخبة والمزوقة. ومن الضروري كذلك التمييز بوضوح بين الدين كمنهج قيم وهداية، وبين السياسة كأداة لتنظيم شؤون الحياة وإدارة المصالح العامة.

ثانيًا، تقوية الهوية الوطنية وجعلها إطارًا جامعًا يضم جميع أفراد المجتمع، فكلما كانت الهوية الوطنية راسخة وقوية، تراجعت فرص انتشار الولاءات العابرة للحدود التي تروج لها هذه الحركات.

ثالثًا، دعم المؤسسات التعليمية والإعلامية لكي تؤدي دورها على أكمل وجه، فالتعليم المتوازن الذي يغرس القيم الصحيحة وينمي قدرات التفكير والتمييز، والإعلام المهني الذي يعتمد على الدقة والموضوعية، لهما دور حيوي في كشف حقيقة الخطابات المتطرفة أو المؤدلجة وتفكيك محتواها.

رابعًا، تعزيز مبدأ العدالة والشفافية في جميع المجالات، فالفراغات التي تستغلها هذه الحركات غالبًا ما تنشأ من شعور بعض فئات المجتمع بالظلم أو التهميش أو انعدام المساواة، وبالتالي فإن تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية يقلل بشكل كبير من جاذبية هذه الحركات وخطاباتها.

وأخيرًا، الحزم في التعامل الأمني عند الضرورة، ففي حال تحول أي تنظيم أو حركة إلى تهديد حقيقي لأمن الدولة واستقرارها وسلامة مواطنيها، تظل الدولة هي الجهة المسؤولة عن حماية المجتمع والحفاظ على أمنه، وذلك ضمن الإطار القانوني والشرعي المعمول به.

وفي النهاية، يمكن القول إن الحركات الدينية ذات الطابع السياسي ليست ظاهرة بسيطة يمكن تفسيرها من زاوية واحدة أو اختزالها في سبب واحد، بل هي نتيجة لتفاعل معقد بين العوامل الدينية والسياسية والتاريخية والاجتماعية والمصالح المختلفة. وقد تحمل في بداياتها شعارات تبدو جذابة ومشروعة، إلا أنها كغيرها من الكيانات البشرية، تتعرض للتغير والتحول مع مرور الزمن وتغير الظروف.

وبالتالي، فإن التعامل معها لا يقتصر على مجرد الرفض أو المواجهة، بل يبدأ أولًا بفهم طبيعتها وأهدافها وأساليبها، ثم العمل على بناء نموذج وطني قوي ومستقر يجعل المجتمع أكثر قدرة على التمييز والوعي، وفي هذا التوازن الدقيق، يكمن مفتاح الحفاظ على الاستقرار والنهوض بالمجتمع.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى