/
/
قرار مجلس الأمن وإدانة الاعتداءات الإيرانية… لحظةُ إجماع دولي تعيد رسم معادلة الأمن الإقليمي

قرار مجلس الأمن وإدانة الاعتداءات الإيرانية… لحظةُ إجماع دولي تعيد رسم معادلة الأمن الإقليمي

Picture of بقلم _ صلاح الطاهري

بقلم _ صلاح الطاهري

في لحظات التحول الكبرى في السياسة الدولية، لا تأتي القرارات الأممية بوصفها مجرد نصوص قانونية جامدة، بل باعتبارها رسائل سياسية عميقة تعكس موازين القوى، وتكشف اتجاهات الإرادة الدولية تجاه قضايا الأمن والاستقرار.
ومن هذا المنطلق يكتسب القرار الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي بناءً على مبادرة تقدّمت بها كل من المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة وقطر وسلطنة عُمان والكويت والأردن، أهمية استثنائية في سياق التوترات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة.

فالقرار الأممي، الذي أدان بأشد العبارات الهجمات التي تشنها إيران على أراضي الدول الخليجية والأردن، لا يكتفي بتوصيف تلك الأعمال كاعتداءات عسكرية عابرة، بل يضعها في إطارها القانوني الصحيح بوصفها خرقاً واضحاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين.

وهذا التوصيف ليس تفصيلاً لغوياً أو دبلوماسياً، بل يمثل إدانة صريحة لسلوك يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوّض أسس النظام الدولي القائم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.

لقد جاء الترحيب الذي عبّرت عنه وزارة الخارجية السعودية بمضامين القرار انعكاساً لثقة متزايدة في أن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع هذه الاعتداءات بقدر أكبر من الوضوح والحزم.

فاستهداف المناطق السكنية والأعيان المدنية لا يمكن تفسيره بأي منطق سياسي أو عسكري بل يظل فعلاً مداناً أخلاقياً وقانونياً خصوصاً عندما يخلّف خسائر في صفوف المدنيين ويدمر منشآت مدنية لا علاقة لها بأي نشاط عسكري.

اعلان

ومن اللافت أن القرار حظي بدعم دولي واسع، وهو ما يعكس تحوّلاً مهماً في إدراك المجتمع الدولي لطبيعة التهديدات التي تواجه أمن المنطقة.

فالقضية لم تعد شأناً إقليمياً محصوراً في نطاق جغرافي محدد، بل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن العالمي حيث إن أي تصعيد عسكري في الخليج العربي ينعكس مباشرة على استقرار أسواق الطاقة والاقتصاد الدولي وممرات الملاحة الحيوية.

وفي هذا السياق فإن الإشارة الصريحة في القرار إلى ضرورة وقف الهجمات فوراً دون قيد أو شرط، ووقف أي استفزاز أو تهديد للدول المجاورة بما في ذلك استخدام الوكلاء، تمثل رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي لم يعد مستعداً لغضّ الطرف عن سياسات التصعيد أو الحروب غير المباشرة التي تهدد أمن الدول واستقرارها.

الأهم من ذلك أن الموقف السعودي، كما عبّرت عنه وزارة الخارجية، جاء متوازناً بين الترحيب بالقرار والتأكيد على الحق السيادي في الدفاع عن النفس.

فالمملكة، مثل أي دولة ذات سيادة، تحتفظ بحقها الكامل في اتخاذ الإجراءات التي تكفل حماية أمنها وسلامة أراضيها وهو حق أصيل نصت عليه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تتيح للدول الدفاع عن نفسها في حال تعرضها لاعتداء مسلح.

إن الرسالة التي يحملها هذا القرار تتجاوز حدود اللحظة السياسية الراهنة.
فهو يؤكد أن أمن الخليج لم يعد مسألة إقليمية فحسب بل قضية تحظى بغطاء قانوني ودعم دولي واضحين.
كما أنه يعيد التذكير بحقيقة أساسية مفادها أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر سياسات التهديد والتصعيد بل من خلال احترام سيادة الدول والالتزام بالقانون الدولي.

وفي عالم تتشابك فيه المصالح وتتعقد فيه التوازنات، يبقى الإجماع الدولي حول إدانة الاعتداءات خطوة مهمة نحو تثبيت قواعد الاستقرار. فالرسائل التي تصدر من منصة مجلس الأمن لا تقاس فقط بما تحمله من عبارات دبلوماسية، بل بما ترسمه من خطوط حمراء في معادلة الأمن العالمي.

وإذا كان القرار قد وجّه إدانة واضحة للهجمات فإنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها… أن أمن المنطقة ليس مجالاً للمغامرات العسكرية أو الحسابات الأيديولوجية، بل مسؤولية دولية مشتركة تستند إلى القانون الدولي وإرادة الشعوب في السلام والاستقرار.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى