/
/
النزاع البحري بين الكويت والعراق خريطة صراع تتجدد

النزاع البحري بين الكويت والعراق خريطة صراع تتجدد

Picture of بقلم _ عبدالحميد سعيد علي المالكي

بقلم _ عبدالحميد سعيد علي المالكي

في الخليج، لا تهدأ المياه مهما بدا سطحها ساكنًا. فالتاريخ هنا لا ينام، والحدود ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل ذاكرة سياسية وامتداد لسيادة لا تقبل المساومة. وفي عام 2026، عاد النزاع البحري بين الكويت والعراق إلى الواجهة بقوة، بعد خطوة عراقية مفاجئة تمثلت في إيداع إحداثيات بحرية جديدة لدى الأمم المتحدة، في محاولة لإعادة رسم حدود بحرية سبق أن حُسمت دوليًا منذ ثلاثة عقود.
هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء إداري، بل كانت شرارة أعادت إشعال ملف خور عبد الله، أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الكويتية–العراقية، ودفعت الخليج بأكمله إلى الاصطفاف خلف الكويت دفاعًا عن سيادتها.

البداية: حين رسمت الأمم المتحدة البحر

بعد تحرير الكويت عام 1991، أصدر مجلس الأمن القرار 833 الذي رسم الحدود البرية والبحرية بين الكويت والعراق بشكل نهائي. كان القرار بمثابة تثبيت لسيادة الكويت ومنع أي مطالبات مستقبلية قد تعيد المنطقة إلى أجواء الغزو.
ورغم اعتراضات عراقية في ذلك الوقت، فإن بغداد اعترفت لاحقًا بالترسيم، وصادقت عام 2013 على اتفاقية الملاحة في خور عبد الله، التي نظمت استخدام الممر البحري الحيوي لكلا البلدين.

لكن في عام 2023، ألغت المحكمة الاتحادية العراقية الاتفاقية، معتبرة أن المصادقة البرلمانية لم تكن مكتملة. هذا الإلغاء لم يكن مجرد خطوة قانونية داخلية، بل كان إعلانًا بأن العراق يعيد فتح ملف ظنّ الجميع أنه طُوي نهائيًا.

العودة إلى الواجهة: خرائط جديدة تشعل الأزمة

اعلان

في فبراير 2026، قدّم العراق خرائط وإحداثيات بحرية جديدة للأمم المتحدة، قال إنها تمثل حدوده البحرية.
هذه الخطوة أثارت ردود فعل واسعة:

• الكويت اعتبرت الإحداثيات «تعديًا صريحًا» على مياهها الإقليمية.
• مجلس التعاون الخليجي دعا العراق إلى سحب الإحداثيات فورًا، مؤكدًا أنها تمس سيادة الكويت على مناطق بحرية حساسة مثل فشت القيد وفشت العيج.
• السعودية والإمارات وقطر والبحرين وعُمان أعلنت دعمها الكامل للكويت ورفضها لأي تغيير أحادي للحدود.

الإجماع الخليجي وضع العراق في موقف دفاعي، خصوصًا مع تزامن الأزمة مع تحضيرات بغداد لاستضافة قمم عربية وإقليمية كانت تأمل أن تعزز صورتها السياسية.

قراءة قانونية: من يملك الحق؟

الموقف الكويتي

الكويت تستند إلى ثلاثة أعمدة قانونية قوية:

• ترسيم دولي صادر عن الأمم المتحدة وملزم للطرفين.
• اتفاقيات ثنائية صادق عليها العراق سابقًا.
• دعم خليجي ودولي واضح يرفض أي تغيير أحادي.

هذه العناصر تجعل الموقف الكويتي أكثر ثباتًا، وتمنحها شرعية قانونية لا يمكن تجاوزها.

الموقف العراقي

العراق يبرر خطوته بأنها:

• «تحديث للإحداثيات البحرية».
• «حق سيادي».

لكن الإشكال أن الإحداثيات الجديدة تتجاوز الترسيم الدولي، وهو ما يجعلها غير قابلة للاعتراف من قبل المجتمع الدولي.
وبينما يحاول العراق تقديم الأمر كإجراء فني، يرى الخليج أن الخطوة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز حدود البحر.

السعودية: ظلٌّ كبير يحرس الخليج

السعودية ليست طرفًا مباشرًا في النزاع، لكنها كانت اللاعب الأكثر تأثيرًا في ضبط إيقاع الأزمة.
موقفها كان واضحًا:

• دعم كامل للكويت في كل البيانات الخليجية.
• تأكيد أن أي مساس بسيادة الكويت هو مساس بأمن الخليج.
• رفض أي تغيير أحادي للحدود البحرية.

السعودية لم ترفع صوتها، لكنها رفعت وزنها السياسي، وهو ما كان كافيًا لإعادة التوازن إلى المشهد.
ففي الخليج، حين تتحدث الرياض… تُعاد الحسابات.

لماذا الآن؟ دوافع عراقية تحت المجهر

التحقيقات السياسية تشير إلى أن التحرك العراقي لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات داخلية وخارجية:

• رغبة في توسيع المنفذ البحري المحدود أصلًا، والذي يشكل نقطة ضعف استراتيجية للعراق.
• ضغوط داخلية على الحكومة بعد إلغاء اتفاقية 2013، ما دفعها للبحث عن «إنجاز سيادي».
• محاولة إعادة التفاوض على الحدود البحرية من موقع أقوى.
• صراع داخلي بين قوى سياسية عراقية ترى أن الترسيم الأممي «مجحف» ويجب إعادة النظر فيه.

لكن هذه الدوافع تصطدم بحقيقة ثابتة:
الحدود الدولية لا تُعدّل بإرادة طرف واحد، ولا يمكن تجاوز قرارات مجلس الأمن بخرائط جديدة.

البحر… ذاكرة لا تهدأ

خور عبد الله ليس مجرد ممر بحري، بل رمز لصراع طويل بين الجغرافيا والسياسة.
الكويت ترى فيه جزءًا من سيادتها التي لا تقبل التفاوض.
والعراق يراه نافذة ضيقة على البحر يريد توسيعها بأي شكل.
وبين الرؤيتين، يقف الخليج كجدار واحد، يرفض أن يُعاد فتح جراح الماضي.

خاتمة

النزاع البحري بين الكويت والعراق ليس خلافًا حدوديًا عابرًا، بل قصة سيادة وذاكرة وتاريخ لا يريد أن يهدأ.
الكويت تتمسك بالقانون الدولي، والعراق يحاول إعادة رسم البحر، والخليج يقف ككتلة واحدة خلف دولة الكويت .
ومع أن الحوار يبقى الطريق الوحيد للحل، فإن السؤال الذي يطفو فوق سطح الماء يبقى مفتوحًا:
هل تتجه الأزمة نحو التهدئة… أم أن موجة جديدة من التوتر تنتظر الخليج في لحظة لا يحتمل فيها مزيدًا من الصراعات؟

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى