منذ اللحظة التي دخل فيها الحوثي صنعاء بقوة السلاح خارج إطار الشرعية الدستورية، لم يعد المشهد اليمني قابلاً للتجميل. ما حدث كان انقلاباً كاملاً غيّر مسار الدولة وفرض واقعاً بالقوة، ثم امتد أثره إلى الإقليم عبر استهداف الأراضي السعودية بالصواريخ وسقوط ضحايا أبرياء. هذه ليست تفاصيل في سياق نزاع داخلي إنّما وقائع تؤكد أن الدولة تم اختطافها وأن مشروعاً مسلحاً أعاد رسم المشهد بعيداً عن الإرادة الشعبية.
كمتابع للقضية منذ بداياتها كان موقفي واضحا وهو رفض مسار صادر الدولة وأدخل اليمن في معادلة أحادية تفرض بالسلاح. قد يكون جزء من أبناء الشمال قد اصطف خلف الحوثي لأسباب سياسية أو اجتماعية ، بينما الجنوب تشكّل وعي مختلف. لم يقبل الجنوبيون أن يكونوا امتداداً لأزمة لم يصنعوها ولا أن تدار أرضهم وثرواتهم ضمن صيغة سياسية لم توفر لهم أمناً ولا استقراراً. ومع ما شهدته مناطق الجنوب من اختلالات أمنية وتهميش سياسي، وشعور متصاعد بأنّ مواردهم لا تدار بما يخدمهم، ترسخت قناعة واضحة بإنّ الجنوب يجب أن يستعيد قراره ويطالب بعودة دولته الشرعية السابقة.
من هنا عاد مطلب دولة الجنوب العربي كمشروع سياسي منظم تجسّد في المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يراه أنصاره المعبّر الصريح عن الإرادة الجنوبية. هذا الكيان لم ينشأ في فراغ إنّما جاء نتيجة حراك شعبي وتحولات فرضها الواقع وتمكّن من ترسيخ حضوره سياسياً وأمنياً، وأصبح طرفاً فاعلاً في المعادلة المعترف بها ضمن ترتيبات القوى المؤثرة على الأرض.
بالنسبة لمؤيديه المجلس الانتقالي إطار تمثيلي اختاروه ليحمل قضيتهم ويعبّر عن تطلعاتهم في استعادة دولتهم. وهم ينظرون إلى قيادته باعتبارها تفويضاً شعبياً مباشراً لا يقبل الإقصاء أو الالتفاف في أي تسوية قادمة. يرون أيّ حل يتجاوز هذا التمثيل في نظرهم هو تجاهل لإرادة واضحة عبّرت عنها الساحات والمواقف المعلنة، ولن ينتج استقراراً حقيقياً مهما بدا متوازناً في النصوص والاتفاقيات.
قد لا يروق هذا الطرح لمن يتمسك بصيغ سياسية تقليدية أو بحسابات إقليمية معقدة، لكن تجاهل إرادة الجنوب لن يصنع وحدة متماسكة إنّما يؤسس لانقسام أعمق. الاستقرار لا يتم بناؤه على إنكار المطالب ولا على إعادة إنتاج أزمات أثبتت فشلها ، إنّما على الاعتراف بالوقائع كما هي.
اليمن اليوم بما أراه من أحداث بالميدان أمام مفترق طرق واضح .. إمّا الاعتراف بأنّ هناك جنوباً أعلن خياره السياسي بوضوح ويتمسك بممثله الذي اختاره، أو الاستمرار في حلول مؤقتة تؤجل الأزمة ولا تعالج جذورها.
وجوهر المسألة يبقى ثابتاً .. لا يمكن لأيّ تسوية سياسية أن تنجح إذا تجاوزت إرادة شعب قرر أن يحدد مستقبله بنفسه.














