/
/
“المليشيات الاقتصادية”

“المليشيات الاقتصادية”

Picture of عبد العزيز بن رازن

عبد العزيز بن رازن

المليشيات المسلحة في العالم تدير شؤونها المالية عبر طرق متعددة بعيدة نوعًا ما عن الرقابة المصرفية. وهي تستخدم لتغطية ذلك شركات متعددة، لإخفاء عملياتها الحسابية والمالية. وتوفر لنفسها بيئة خصبة لتدفق الأموال وصرفها وسط النظام المالي العالمي، دون أن تواجه خطر الكشف والحظر الذي تفرضه الدول الكبرى أو الدول المتضررة من نشاط تلك المليشيات المسلحة.

وهناك نظم اقتصادية عالمية توفر الملاذ الآمن لمثل تلك النشاطات المالية المشبوهة، حيث تجد فرصتها لكسب العمولة من التدفقات النقدية المتنوعة، وترفع سقف اقتصادها، وتعزز من تصنيفها الدولي، وتبرز كوجهة اقتصادية وسياحية عالمية. وهذه النظم الاقتصادية ترعاها حكومات تدرك حقيقة ما يجري على أرضها، ولا تحاول وقف تلك العمليات، ولا تساهم حتى في كشفها للجهات الدولية المعنية بتتبع نشاطات المليشيات المسلحة. وكأنها غير معنية بمحاربة العمليات المسلحة التي تتضرر منها دول وشعوب. تلك الملاذات تشكل جزءًا رئيسيًا في دوائر الحرب التي تعاني منها دول كثيرة. وتتكسب الكيانات التجارية فيها من الحروب، وتجار الحرب متعددون، ولا تهمهم إلا زيادة أرصدتهم. حيث الوساطة المالية، وقنوات سيل العملات في هذه الحالة الطريق الوحيد للتهرب من تتبع العمليات المالية للمليشيات المسلحة.

ومن المليشيات المسلحة التي تدير نظامها المالي تحت الستار وعبر شركات رسمية مجلة ولها قوائمها المالية ونشاطاتها التجارية المرخصة مليشيا الحوثي طبعًا التي توفر لها عددًا من البيئات الاقتصادية ملاذًا آمنًا تمر عبره الكثير من التدفقات الواردة والصادرة وشريانًا رئيسيًا لاستمرار مليشيا الحوثي في عملياتها.

من بين كيانات الحوثي غير المعلنة شركة جنة الأنهار للتجارة العامة (Janat Al Anhar General Trading LLC)، وهي واحدة من أكثر الحلقات المالية حساسية في شبكة الحوثيين الخارجية.

الشركة مسجلة في دولة خليجية، وتذكر عدد من التقارير الصحفية الاستقصائية أنها تعمل كغرفة مقاصة لحوالات السوق السوداء المرتبطة بالحوثيين، حيث تُصفّى عبرها الأموال التي يستخدمها التجار المرتبطون بالمليشيا لشراء الأسلحة والسلع، وقطع الغيار، والمعدات.

اعلان

هذه التدفقات المالية تسمح للحوثيين بإدارة أموال المليشيا بشكل موازي للنظام المصرفي الرسمي للحوثيين، وبعيدًا عن الرقابة من المنظمات الدولية الرقابية والمصرفية. وهذه شركة واحدة من عدة شركات كبيرة في دول عديدة. وتأتي الإشارة هنا لإعطاء الضوء على النشاط المشبوه الذي تديره كيانات اقتصادية مرخصة وتعمل وسط نظام اقتصادي من المفترض أنه دقيق ومنظم وشفاف. 

ويشكل التناغم بين شركات توريد الأسلحة وشركات دعم المليشيات المسلحة والبيئات الاقتصادية الحاضنة مثلثًا مهمًا للنشاطات الإرهابية الدولية أو لنشاط الاستخبارات الدولية، لتغطية عملياتهم وإدارتها بعيدًا عن أعين الأجهزة الأمنية والرقابية التي تحارب الإرهاب وتقر الأمن والاستقرار. 

ولسان حال المتأمل في نشاط البيئات الاقتصادية الحاضنة لعمليات غسيل الأموال وتمريرها ورعاية شركاتها ما قال الشاعر:

مصائب قوم عند قوم فوائد. 

وأي فائدة هنا وأي مكسب يقوم على جثث ودماء ومستقبل أوطان وغياب الأمن والاستقرار؟ وأي مكسب يبحث عنه التجار وهم يسمعون أنين الناس ويرون مصائبهم؟ وأي مكسب في الدنيا وهم يعلمون أن الله يسمع ويرى؟ وأي إصرار وهم يعلمون أن الله يدير الكون بتقديره وأن هؤلاء التجار ليس لهم إلا سوء أعمالهم؟ 

قال تعالى:

﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ 

بقلم: عبدالعزيز بن رازن.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى