/
/
بين “ما شاء الله” و”تبارك الله”.. سر الوقاية للشخص ونزول البركة للآخر

بين “ما شاء الله” و”تبارك الله”.. سر الوقاية للشخص ونزول البركة للآخر

Picture of بقلم _عبدالحميد سعيد علي المالكي

بقلم _عبدالحميد سعيد علي المالكي

حضرت مؤخراً نقاشاً شائقاً بين صديقين، أحدهما كان يجادل بحماس: “عندما نرى شيئاً يعجبنا من شخص آخر، نقول له (ما شاء الله) لحمايته من العين!” بينما كان صديقه مصّراً على العكس: “لا، (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) تقال لحماية نفسك أنت من العين، أما (تبارك الله) فهي للآخر!”

لحظة الصمت التي تلت النقاش جعلتني أتساءل: أيهما على صواب؟ وهل هناك دليل شرعي يحدد متى نستخدم كل عبارة؟ البحث في السنة النبوية كشف عن حكمة بالغة وتفصيل دقيق قد يفاجئ الكثيرين.

الفصل الأول: النص الشرعي يحل الإشكال

من خلال البحث في السنة النبوية، يتبين أن الإجابة واضحة وجلية في الحديث الشريف. تخيلوا هذا المشهد الذي حدث في زمن النبوة: شاب من الصحابة يغتسل، فيظهر جسده أبيض حسنًا، فيتعجب الصحابة من جماله، ولكن ما إن يتفوه أحدهم بكلمة إعجاب غير محصنة، حتى يصاب الشاب بالعين ويسقط صريعًا! هذا المشهد الواقعي الذي رواه الإمام أحمد في مسنده يضع أيدينا على خطورة العين وأهمية التحصن بالذكر.

اعلان

قصة الصحابي سهل بن حنيف:
يروي الحديث أن عامر بن ربيعة رأى سهل بن حنيف يغتسل، فقال: “ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة” (أي جسده الناعم الجميل). فما هي إلا لحظات حتى سقط سهل على الأرض يتخبط. فلما أحضروه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: “علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا برَّكتم؟ إن العين حق، توضؤوا له”. فتوضأ عامر وغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ذلك الماء على سهل، فبرأ.

هذه القصة ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي منهج عملي في التعامل مع نعم الله.

الفصل الثاني: “ما شاء الله لا قوة إلا بالله”.. سر وقاية الشخص من العين

عندما يكون الإعجاب متعلقاً بالذات أو المال، يأتي دور هذه الكلمات لتكون بمثابة التحصين النبوي. فالنفس قد تعجب بنعمتها، وهذا الإعجاب – إن لم يضبط – قد يجلب الضرر.

حكمة هذه الكلمات:

· “ما شاء الله”: ترد الأمر كله إلى مشيئة الله، فتمنع العجب والاغترار
· “لا قوة إلا بالله”: تذكر بالضعف البشري والعجز عن حفظ النعمة بدون قوة الله

فهي صيغة وقاية تمنع ضرر العين من النفس على النفس، أو من الآخرين، بإرجاع النعمة إلى مُنْعِمها والحفظ إلى قادرها.

الفصل الثالث: “تبارك الله”.. سر نزول البركة للآخر

أما عندما ينتقل الإعجاب إلى الآخر، فإن الخطر يختلف. هنا قد تؤذي أخاك بنظرة إعجاب غير محصنة. لذلك جاء التوجيه النبوي مختلفاً: “ألا برَّكتم”.

حكمة هذه الكلمة:

· “تبارك الله”: هي صيغة بركة، أي الدعاء بزيادة الخير ونمائه واستمراره
· أنت لا تكتفي بحماية أخيك من العين، بل تدعو له بالمزيد من الخير
· أنت تحول نظرة الإعجاب من نظرة قد تحمل ضرراً إلى دعاء يحمل خيراً

الفصل الرابع: مجتمع متحصن.. حكمة التشريع

من خلال الجمع بين القصتين – قصة صاحب الجنة في القرآن وقصة سهل بن حنيف في السنة – نرى تكامل المنهج الرباني:

قصة صاحب الجنة في سورة الكهف:
يقول الله تعالى: “وَادْخُلْ جَنَّتَكَ” فدخلها وهو فخور بنفسه قائلًا: “مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَدًا ﴿٣٥﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا ﴿٣٦﴾”. فكانت النتيجة: “فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ” أي كالليل الأسود أو الأرض المحترقة.

حكمة التشريع:

· القرآن يحذرنا من الغرور بالنعمة كما حدث لصاحب الجنة
· والسنة تعلمنا كيف نتحصن من العين كما في قصة سهل
· مجتمع متحصن: عندما يعتاد كل فرد على هذه الأذكار، يصبح المجتمع كله محصناً بذكر الله
· قمع دواعي الحسد: بتحويل نظرة الإعجاب إلى شكر لله ودعاء للآخر

خاتمة

بين قصة صاحب الجنة في القرآن وقصة سهل بن حنيف في السنة، نجد تكاملًا عجيبًا في المنهج الإيماني. فـ “ما شاء الله لا قوة إلا بالله” تحمينا من مصير صاحب الجنة الذي اغتر بنعمته، و “تبارك الله” تحمي إخواننا من مصير سهل بن حنيف الذي أصابته العين.

فليكن شعارنا دائمًا: نحمي أنفسنا من الغرور بـ”ما شاء الله”، ونحمي إخواننا من العين بـ”تبارك الله”. وهكذا نكون قد استوعبنا دروس القرآن والسنة في وقت واحد، فتحولت حياتنا إلى ذكر دائم، وقلوبنا إلى محبة صادقة، ومجتمعنا إلى حصنة منيع بذكر الله.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى