/
/
“آه يا قلم، أتعبتني”

“آه يا قلم، أتعبتني”

Picture of ماهر الصاعدي

ماهر الصاعدي

آه يا قلم… كم أرهقتني وكم أرهقتك! كأن بيننا عهدًا قديماً لا يموت، عهدًا من حبرٍ ووجعٍ وفرحٍ خفي. منذ أول مرةٍ أمسكتك فيها بيدي الصغيرة، كنتَ لي أكثر من أداة كتابة، كنتَ صديقًا يسكن أطراف أصابعي، وشاهدًا على أولى محاولاتي لفهم هذا العالم بالكلمات.

كنتَ تفيض بالحكايات، تهمس لي حين يسكت الجميع، وتفتح لي بابًا إلى عوالمٍ لا يراها غيري. كنتَ تمدّني بشيءٍ من الطمأنينة، وكأنك تقول لي: “اكتب… فالكتابة نجاة”. وكنت أكتب، أكتب كل ما لا أستطيع قوله، أكتب لأنني أخاف أن تبتلعني الأيام دون أثر.

أما الآن يا صديقي القديم، فقد تغيّر كل شيء. سرقتنا التقنية من بعضنا، كما يسرق البحرُ الرملَ من الشاطئ. صرنا أسرى الشاشات، نكتب بلا ورق، ونبوح بلا صوت، ونشارك خواطرنا في فضاءٍ لا دفء فيه. لم تعد الكتابة لحظة صفاءٍ بيني وبينك، بل صارت سباقًا مع الزمن والإشعارات والضوء الأزرق الذي لا ينام.

أتذكر حين كنتَ تلطّخ أطراف أصابعي بالحبر؟ كنتُ أرى في تلك البقعة الصغيرة علامة حياة، دليلاً على أنني كتبتُ من قلبي، وأن حرفي خرج من أعماقي لا من لوحة مفاتيحٍ جامدة. أما الآن، فأصابعي نظيفة، والكلمات أيضًا نظيفة حدّ البرود، بلا أثر، بلا نبض، بلا رائحة.

يا قلم، كم أشتاق إلى صوتك وأنت تخدش الورق! ذلك الصوت الخافت الذي كان يملأ الغرفة بطمأنينةٍ لا تشبهها موسيقى. كان لكل كلمةٍ إيقاع، ولكل سطرٍ معنى يولد ببطء، كأن الحبر نفسه يتفكّر قبل أن يسيل. أمّا اليوم، فالحروف تُقذف بسرعة، تولد وتموت في اللحظة نفسها، كأنها لم تمرّ على القلب أصلًا.

اعلان

آه يا قلم، لم أعد أكتب كما كنت، بل كما تفرض عليّ التقنية أن أكتب: سريعًا، مختصرًا، بلا توقف. صارت الكتابة الإلكترونية تشبه الركض في ممرٍ ضيق، بينما كانت الكتابة بك حوارًا هادئًا مع الذات، رحلةً في عمق الروح. كم كان جميلاً أن أجلس أمام الورقة البيضاء، أستمع لصمتي قبل أن أسمع صوتي، أدوّن ما لا يُقال، وأترك للمشاعر حرية البوح.

اليوم، صارت المشاعر مؤجلة، والكلمات مؤطرة، والكتابة محصورة في مربّعاتٍ رقمية. حتى الحنين نفسه صار يُكتب في منشورٍ ويُقاس بعدد الإعجابات! أي زمنٍ هذا الذي جعل الحرف يُوزن بالمتابعة، لا بالشعور؟

لقد كنتَ يا قلمي ملاذي حين تضيق الدنيا، والآن حين تضيق، أفتح الهاتف… فأضيع أكثر. كانت الكتابة معك طريقًا نحو النور، أما اليوم فصارت التيه في ضوءٍ باردٍ لا روح فيه. ومع ذلك، ما زلتَ هناك، في زاوية المكتب، تنتظرني بصبرٍ يشبه حنين الأم إلى ابنها الغائب.

كم مرةٍ وعدتك أن أعود؟ كم مرةٍ أمسكتك لأكتب ثم هجرتك لألحق برسالةٍ عاجلة أو إشعارٍ عابر؟ كأننا نحن البشر صرنا نعيش بعقولٍ متقطعة، لا نمنح لحظةً لشيءٍ كامل. التقنية لم تسرق الوقت فقط، بل سرقت منّا التركيز والسكينة والقدرة على الإصغاء لأنفسنا.

يا قلم، لا تظن أنني نسيتك. ما زلتُ حين أضيق ألجأ إلى الورق، أكتب بلا ترتيبٍ ولا هدف، فقط لأشعر أنني إنسانٌ من لحمٍ ومشاعر، لا من رموزٍ وأزرار. وما زال الحبر حين يسيل يذكّرني أن للكلمة وزنًا، وأن ما يُكتب بالقلب لا يُمحى بضغطة زر.

أتعلم يا صديقي؟ لقد علمتني أن الكتابة ليست مهنةً ولا وسيلةً للشهرة، بل طقسٌ من طقوس الروح، عبادةٌ خفية تؤدَّى بحبرٍ وصدق. ومع كل ما أحدثته التقنية من تقدم، لم تستطع أن تمنحنا دفءَ الورق، ولا رعشة اليد حين تكتب فكرةً صادقة.

إنها مفارقة غريبة: كلما زادت سهولة الكتابة، قلّ عمقها. كلما تسارعت التقنية، تباطأت الروح. صرنا نكتب أكثر، ونشعر أقل. لكنني أؤمن أن الحبر لا يموت، وأن هناك دومًا من سيعود إليك، كما أعود أنا الآن، ليجد فيك نفسه التي نسيها في زحمة الشاشات.

آه يا قلم، يا رفيق البدايات والنهايات… أتعبتني لأنك تذكرني بكل ما فقدته: بالصدق، بالعفوية، بالبطء الجميل الذي كان يمنح الكلمة حقها من الحياة. لكنك أيضًا تمنحني الأمل أن الكتابة الحقيقية لا تموت، وأن الحبر سيبقى حيًّا ما دام في القلب نبضٌ يبحث عن معنى.

سأعود إليك، ليس لأن التقنية سيئة، بل لأن الروح تحتاج إلى ما هو حقيقي. سأعود لأكتب لا لأشارك، بل لأتذكّر أنني موجود، أنني ما زلت أستطيع أن أكتب من القلب لا من الشاشة.

آه يا قلم، ليتك تعلم كم أشتاق لدفء الورق، وكم أشتاق لذلك الزمن الذي كانت فيه الكتابة فعل حب، لا فعل عادة. ليتك تعلم أني مهما ابتعدتُ عنك، سأعود، لأن فيك جزءًا من روحي، وجزءًا من طفولتي، وجزءًا من صدقي الذي أضاعه الركض خلف الضوء.

✒️ بقلم: ماهر الصاعدي
عاشق الحرف وسليل الورق، ما زال يؤمن أن للحبر روحًا لا تموت،
وأن القلم — مهما تعب — يبقى الصديق الأصدق في زمن التقنية.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى