دخل إلى الصف الأول طفل صغير، ملامحه بريئة ووجهه يضيء بالنقاء، يحرص على نظافته وثيابه المرتبة، لكنه كان يحمل في عينيه خوفًا واضحًا من عالم جديد لم يألفه بعد. كانت المدرسة بالنسبة له وحشة ثقيلة، وأصوات الطلاب وضجيج المقاعد تزيد من ارتباكه، حتى بدا وكأنه يبحث عن يدٍ حانية تأخذه من عالم الغربة إلى سعة الأمان.
في أول الأيام، كان يجلس صامتًا، يضم حقيبته إلى صدره كأنها ملاذه الوحيد. اقتربت منه بابتسامة وهدوء، حاولت أن أطمئنه بكلمات بسيطة، وأجعله يشعر أن الصف ليس مكانًا مخيفًا بل بيتًا ثانيًا. خصصت له لحظات إضافية بعد الحصة، أحدثه عن شجاعته، وأشجعه بكلمة: “أنت قادر”. وفي إحدى المرات، كلفته بقراءة كلمة قصيرة أمام زملائه، فتردد قليلًا ثم نطقها، ومع تصفيق الصف كله، رأيت بريقًا جديدًا يشتعل في عينيه.
مرت الأيام، ومع كل خطوة صغيرة كان يحققها، كنت أحتفي به، أمدحه أمام رفاقه، وأجعله يشعر بقيمته. صار يشارك في الأنشطة، ويكتب واجباته بجدية، بل وأصبح يساعد زملاءه المترددين. تحوّل الخوف الذي كان يلازمه في البداية إلى ثقة، وصار من أكثر الطلاب تميزًا، يرفع يده للإجابة بحماس، ويبتسم بثقة تعكس حجم التحول الذي عاشه.
لقد كان الطريق مليئًا بالتعب، بين تشجيع متواصل، وصبر على دموع الصباح الأولى، وتكرار الكلمات المحفزة عشرات المرات، لكن النتيجة جعلتني أوقن أن كل دقيقة بُذلت معه كانت استثمارًا في مستقبل مشرق.
رسالتي لزملائي المعلمين:
لا تنسوا أن بين أيديكم قلوبًا صغيرة تحتاج إلى الاحتواء قبل التعليم، وإلى الحنان قبل التوجيه. قد يكون الخوف حائلًا بينهم وبين النجاح، لكن بكلمة طيبة، وصبر جميل، وابتسامة صادقة، يتحول الطالب من طفل خائف إلى نجم لامع في سماء الصف.
بقلم : ماهر الصاعدي.














