هذه ومضةٌ ولمحةٌ للإثارة ولفتِ الانتباه لرائدٍ من الرُّوادِ، وقلمٍ من الأقلامِ خطَّ على الطَّرْسِ خطوطاً مختلفةَ الألوانِ متعددةَ التقاسيمِ؛ لها قاسمٌ مُشتركٌ جَمَعَ بين هذه الخطوطِ المختلفةِ، والألوانِ المتباينةِ، وشكّّل طيفاً جامعاً يُشكِّلُ عقلاً واعياً وضميراً مُؤنِّباً ينهضُ بصاحبِه من سُجُوفِ الظلام ليُبْصِرَ نورَ الإسلام بفهمٍ منضبطٍ لا يخرجُ به عن المسار المعهود.
عشت مع كتاباتِ الغزالي، والمقصود هنا محمد الغزالي السقا العالِم والأديب المُعاصر الفقيه الذي مات في مهرجان الجنادرية ودُفِن في البقيع في مدينة الحبيب صلى الله عليه وسلم، أقول لقد استجليتُ غوامض أفكاره وانكببتُ أُقلِّب صفحاتٍ منها فشُدِهَ عَقْلِي وفغرتُ فاه التساؤلاتِ أين القارئُ عن مثلِ هذا؟ وقد اكتملتْ صورةُ الاستجلاءِ والاستبصارِ في خريطة الإدراك العقلي، لتفُكَّ المُستَغْلقَ المُبْهم لباحث المعرفة المُنتمي لحضارتِه وتراثه وتاريخِه.
إنّّ تقديمَ الفِكر بصورة أدبية هي أقربُ إلى سلاسةِ الأدبِ وعذوبةِ اللفظِ؛ مِنْ أشقِّ الأعمالِ الذهنيَّةِ على المُفكِّر! وذلك أنَّ قراءةَ الفِكْرِ أمرٌ غيرُ مَشَاعٍ بينَ عامَّةِ القراءِ لفقد القارئِ العادي لأدواته ومفاتيحه أي الفكر، التي تتطلبُ جُهداً وانسياحاً في مدارس الفكر شرقيِّها وغربيِّها وهاهنا تنكمش المقدرةُ على استنطاقِ النصوصِ الفكريةِ فتثقلُ عليه لينبِذَها لصعوباتٍ نشأتْ عن فقد الأدوات والمفاتيح، ومن ثَّمَّ ابتعد المُفكرُ عن شريحةٍ واسعةٍ من الناس، وحصل ما حصل بينهما! إنَّما في حالة الشيخ الغزالي فالأمر مختلفٌ لصفات اجتمعتْ وخصائصَ انسجمتْ في شخصيتِه واختصاصه الشرعيِّ وثقافة الشيخ الموسوعية؛ أضفْ إليها الأسلوبَ الأدبيَّ الرقراقَ، الذي اتَّسَمَ في دعوته وبيانه حتى لُقِّبَ بأديبِ الدعوةِ، وكذلك الروح النقدية التي كَثُرَتْ في كتاباته واتَّخذتْ مساراً إصلاحياً ينهض بطاقات المجتمع ويدلُّه على الطريقة المُثْلى لفهم النصوص الشرعية فهماً يليق بديناميكية الإسلام وإشعاعِه الروحي الذي يُلْقِيي بظلاله على النفوس فيعمل فيها إذا انفعلت معه ويرفع مكانتَها إلى عليِّين.
وفي مشروعِ كُلِّ مفكرٍ تأتي قدرةُ القارئِ على اقتناصِ صُوى الطريقِ، ولا أحسبُ الغزاليَّ إلَّا من أولئك المؤتمنين؛ لاتِّحاد الخطِّ العامِّ مع مشاعر الناس الغالبة في تديُّنِهِمِ، ولا أحسَبُني مُبالِغاً في ما قلتُه وحسبك بالمواضعات التي تجري بين المجموع ويبقى الأثر في نهاية الأمر واضحاً مع التناغم النفسي، وهذا وحده يكفي للخروج من أضيق المسارب.
عالج الغزاليُّ معظمَ القضايا التي الْتبسَ فيها الموروثُ بالدِّين معالجةً معاصرةً مستنيرةً، فيها فهمٌ للواقعِ بمُستجدَّاتِه التي لا تُعرفُ إلا بمرونة الفقيه واطِّلاعِه على متطلبات العصر واستيعاب روح النَّصِّ الشرعيِّ.
في وُرَيْقَاتٍ من مذكراتِ الشيخِ الغزاليِّ وردتْ لطيفةٌ وهي في إعرابِ لفظ الجلالةِ الله يقول: “سألني مدرسُ النحوِ وأنا طالبٌ في المرحلة الابتدائية: أَعْرِبْ يا ولدُ “رأيتُ اللهَ أكبرَ كُلِّ شيءٍ” فقلتُ على عَجَلٍ: رأيتُ فعل وفاعل، والله منصوبٌ على التعظيم! وحَدَثَتْ ضجةٌ من الطلبةِ، ونظرتُ مذعوراً إلى الأستاذ فرأيتُ عينيه تذرِفان!! كان الرجل من أصحاب القلوب الخاشعة، وقد هزَّه أنِّي الْتزَمْتُ الاحترام مع لفظ الجلالة -كما علَّمُوني- فلم أقُلْ إنَّه مفعولٌ أول ودَمَعَتْ عيناه تأدُّباً مع الله”.
إذا كانتْ النشأةُ الصالحةُ في مطالعِ الصِّبا قادتْ حياةَ المسلمِ من هداية إلى هِداية ووُفِّق في القول والعمل وهُدِي إلى سواء السبيل، فهذا الإجلال لذي الجلال الذي ظهرتْ الألمعيَّة فيه على لسان الفتى ما هي إلا من الطالع الحسن لحسن التَّنْشِئة.














