في هذا الزمن الذي تحوّل فيه كل شيء من العلاقات العامة والتواصل بين الناس وعموم مناحي الحياة ، لم تعد الحياة كما كانت من قبل، إنني أرى أننا نعيش فقط ولا نؤدي دوراً مهماً في العلاقات الاجتماعية على وجه الخصوص، نمارس الحياة عكس واقعنا وكما نريد أن يراه الآخر ، نحرص دائماً أننا نظهر بغير حقيقتنا نضحك أمام الجميع وفي لحظات الصور ، بينما تنهشنا الوحدة والحزن والألم ،نبدو متماسكين بينما البعض في حالة انهيار أو على وشك السقوط، نهتم كثيراً بالماديات كالفلل والسيارات الفارهة لتظهرنا دائماً بصورة القوي بينما نعاني من الداخل، يحاول البعض إخفاء واقعه حتى لا يسقط في عيون الآخرين.
في العمق الداخلي قلق دائم وخفي ينهش في أعضائنا من الداخل ، غالباً لا نظهر على حقيقتنا ، نوهم الناس أننا بخير بينما نضع على وجوهنا أقنعة لنخفي ملامحنا الحقيقية ، حتى أضعنا ملامحها الأصلية ، ماذا لو رآنا الناس كما هي حقيقتنا ماذا لو أخلفنا كل التوقعات ماذا سيحدث.
هذا القلق الاجتماعي ليس مجرد هوس أو طيف عابر، بل نتيجة متوقعة لحياة مثالية لايحتملها الإنسان الطبيعي ، رغم تلك الظروف الاقتصادية والعوامل الأخرى التي يمر بها الجميع، بل كل هذا الإدعاء للمثالية فقط لإخفاء عجزنا أو ضعفنا أو خوفنا الداخلي لما يقوله الناس عنا، لأنه وبكل صراحة لا قيمة في هذه المجتمعات للإنسان العادي أو الضعيف ، وهكذا نربي أجيالنا على أن النقص والخطأ والضعف عيب ، وأن الظهور الحقيقي بكل أطيافه من الصدق والتلقائية حماقه لا تغتفر ، وأن الاعتراف فشل، فنحن مع الظهور بمثالية مفرطة نخسر فيها أنفسنا قبل الآخرين ، ونضيّع على أنفسنا الراحة ونستهلك من أجسادنا التعب والإرهاق ، لأن العلاقات التي تُبنى على الانبهار والتشبث بالماديات على حساب واقعنا يكون له سقوط يُسمع له دوياً فيلفت انتباه الجميع ، فتبقى جروح لا تندمل وإن طال الزمان، فيموت ذلك السلام الداخلي الذي لا يتحقق إلا حين نقبل أن نكون كما نحن، لا كما يريده الآخرون ، وحتى ينفك عنا القيد ونتحرر من عبودية الماديات والمثالية المفرطة ، لابد أن نعيش واقعنا الحقيقي ونكف عن التمثيل ليرانا الناس كما نحن عليه لا كما يريدونه وبكل تجرد.
بقلم : عائض الشعلاني.














