/
/
القيادة وإشكالية الرأسين في الحكم

القيادة وإشكالية الرأسين في الحكم

Picture of بقلم ـ فوزي محمد الأحمدي

بقلم ـ فوزي محمد الأحمدي

يقول عمر بن الخطاب – رصي الله عنه – : لا يجتمع سيفان في غمد واحد . هذه من القواعد المسلم فيها في علم السياسة , والتاريخ خير شاهد على صحة ذلك . شخصيا لم أفاجأ بالخلاف الحاصل حاليا بين أقوى وأغنى رجلين في العالم , الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب” , ورجل الأعمال “إيلون ماسك” . دائما زواج السلطة والمال لا يدوم أبدا , لقد قلت في أكثر من مقال أن دونالد ترمب سوف يتخلص من إيلون ماسك , فكلاهما شخصيته قويه جدا , وكلاهما لا يريد أن يرى في المرآه إلا نفسه , وبالتالي جاء انسحاب ماسك من الحكومة أو بمعنى أدق طرده منها , وما تبع ذلك من ردح واتهامات متبادلة (الضرب تحت الحزام) , والتهديد والوعيد كي تؤكد ذلك (صراع الديكة) . الحقيقة إن هذا الصراع يسلط الضوء على العلاقة الدائمة التي كانت تربط بين القائد (الزعيم) , والرجل الثاني في السلطة عبر التاريخ (قطبي السلطة) , والتي غالبا ما كانت تتراوح بين المد والجزر (التذبذب) , والغموض والشك والحقد والحسد والتربص , وأحيانا يتطور الصراع بينهما فيتم اللجوء إلى التصفيات الجسدية , او الاغتيالات “تروتسكي”, أو حتى فرض الإقامة الجبرية “خريتشوف”, او حتى إلصراع المسلح ” حميدتي والبرهان” , وغالبا ما يمتد هذا الصراع إلى جميع مؤسسات الدولة وتكتوي بناره الشعوب (ليبيا) . في عهد الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور , كان “ابو مسلم الخرساني” يمثل القائد الأعلى للقوات المسلحة , والرجل الثاني في النظام (الرجل القوي) , وكانت لديه نزعة انفصالية فارسية (عنصرية) تكره العرب , وقد أوغل في سفك الدماء العربية وبالذات في خراسان , بل ذهب البعض إلى اعتباره أسوأ من الحجاج (المفترى عليه) , إضافة إلى كونه كان يطمح في السلطة (الخلافة) , وكان يملك من القوة ما يمكنه من تحقيق ذلك , وكان ينتظر الفرصة السانحة , وبالتالي قام الخليفة باستدراجه إلى بغداد عاصمة الخلافة آنذاك بـ (حيلة) , حيث تم تصفيته جسديا وأراح البلاد والعباد من شر مستطير ؟! من ضمن الأسباب التي أدت إلى ضعف الدولة العثمانية وبالتالي سقوطها كانت ولاية العهد (الرأس الثاني) , حيث كان كل (سلطان) يعمد على التخلص من ولي العهد , كي يتيح الفرصة لأبنائه أن يتولوا الحكم من بعده (التوريث) ! أو يقوم بفرض الإقامة الجبرية عليه , وبالتالي عندما يتولى الخلافة تجده لا يتوفر لديه الحد الأدنى من الخبرة التي تمكنه من أن يدير الإمبراطورية , وبالتالي كان الضعف ومن ثم السقوط ! بعد ثورة 23 يوليو 1952م في مصر والتي قام بها الجيش , أطاح عبد الناصر بقائد الثورة محمد نجيب , ثم بعد ذلك ظهر على السطح قطبين على رأس السلطة , وهما الرئيس جمال عبد الناصر ووزير الحربية عبد الحكيم عامر (الرجل الثاني) , وكانت العلاقة بين الرجلين في البداية تقوم على الصداقة والمحبة (أخوة السلاح) , ولكن بعد ذلك بدأت العلاقة تسوء بينهما وبدأت تتشكل (مراكز القوى) , وجاءت هزيمة سنة 1967م الكارثية بمثابة (الطلاق) بينهما , وبالتالي تم اعتقال عبد الحكيم عامر وتصفيته جسديا (الثورة تأكل أبنائها) ! . الشيخ عبد الحميد كشك يختزل الحقبة الناصرية بقوله (ايام الملكية كان هناك ملك واحد , اما في العصر الجمهوري فكان هناك ملوك ) ! , أحد القضاة فال أكثر من ذلك: ( لقد كان القضاء في تلك الفترة مغيبا) ! . لو تأملنا الصراع الذي كان يسود بين رأسي السلطة عبر التاريخ , لوجدنا أنه في الدول التي كانت تسودها الديموقراطية (المستقرة) كانت يتم تسوية الخلافات عن طريق تداول السلطة ( الانتقال السلمي) , من خلال ( صندوق الانتخابات) , أو (الحزب) , أو (البرلمان) والذي بدوره كان يمثل الشعب , مثل قيام البرلمان مؤخرا بعزل رئيس كوريا الجنوبية , والحزب الديموقراطي بإجبار الرئيس الأمريكي السابق “بايدن” على عدم الترشح لانتخابات الرئاسة الأمريكية 2024م , لصالح نائبته “كمالا هاريس” , والتي كان دورها لا يتجاوز دائما الوقوف خلف الرئيس , وتحريك رأسها بين الحين والآخر (التأمين) على كلامه , ويتخلل ذلك بين الحين والآخر التصفيق له بحرارة عمال على بطال , كما هو الحال مع الكونجرس الأمريكي الذي كان يصفق لمجرم الحرب الإسرائيلي “النتن ياهو” بمعدل مرتين كل دقيقة تقريبا (كذابين الزفة) ؟! . في الدول الشمولية (الديكتاتورية) فتداول السلطة وحل الخلاف يتم عبر بحور من الدماء , ولا مانع من تدمير وحرق البلد وقتل وتهجير الملايين , من أجل الاستمرار في السلطة على طريقة سوريا الأسد للأبد وإلا سوف نحرق البلد ! , السبب في ذلك يعود إلى عدم وجود أي دور فاعل لمؤسسات المجتمع المدني (مغيبة) , وبالتالي لا توجد مساءلة أو محاسبة , ناهيك عن انعدام الأخلاق والقيم والوازع الديني عند هؤلاء , ولا يوجد عندهم عهد أو ذمة , حيث لا قيمة للانسان أو الكرامة بل تجد المعتقلات وتكميم الأفواه , تجدهم يتصارعون فيما بينهم مثل (الأطفال) , همهم الوحيد هو السلطة والمال , ولغة التفاهم الوحيدة لديهم هي المدفع والدبابة والبسطار . أخيرا يقول إبن خلدون في مقدمته : الممالك تقام على السيف .

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى