في زمن تتسارع فيه المتغيرات، وتتعدد فيه مصادر التأثير، أصبح من الضروري أن نقف مع ذواتنا وقفة تأمل ومراجعة، نطرح خلالها سؤالًا محوريًّا لا بد منه: من نحن؟
لسنا أول من طرح هذا السؤال، لكنه بات اليوم أكثر إلحاحًا، لأن الإنسان أصبح يعيش بين هويتين: هوية مكتسبة من الخارج، وأخرى بيئية موروثة. وبين هاتين الهويتين تتكون الأفعال، وتتشكّل الأقوال، وتُبنى القناعات، لتنتج في النهاية سلوكًا متأرجحًا، يفتقر أحيانًا إلى الثبات أو الاتزان.
ومن خلال تأمل هذا السلوك البشري المتقلب، ندرك أن هناك أنماطًا متعددة من الشخصيات التي نعايشها، لكلٍّ منها طابعها وأثرها في المجتمع.
أنماط من حولنا
إن المتأمل في الشخصيات من حوله، يدرك أن الناس لا يستوون في فهمهم ولا في سلوكهم، بل هم على أصناف شتى، من أبرزها:
• المثقف المثقف: الذي يملك الوعي ويطبقه.
• والمثقف الجاهل: الذي يملك المعلومة لكنه لا يُحسن توظيفها.
• والجاهل الجاهل: الذي لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري.
• والجاهل المثقف: الذي يظن أنه على شيء وهو في ضلال.
ولعل أخطر هؤلاء من لا يدرك جهله، لأنه يغلق على نفسه باب التعلم، ويصعب إقناعه بخطئه، فتتضاعف أزماته وتنعكس على محيطه. وهنا تبدأ جذور الإشكالية السلوكية التي يعاني منها المجتمع.
سلوكيات متجذّرة
ومن هذا المنطلق، لا عجب أن نرى في واقعنا عددًا من السلوكيات السلبية وقد أصبحت نمطًا مألوفًا، يُمارس بلا وعي، ويتكرر بلا مساءلة. ومن أبرزها:
• العمل بعقلين متضادين: عقل بيئي موروث، وعقل مكتسب متأثر.
• الإفراط في الكلام مقابل ضعف في الإنجاز.
• نقد الآخرين وتهكمهم دون تقديم بدائل بنّاءة.
• احتقار المختلف ورفض الحوار.
• إضاعة الأوقات في جدالات لا طائل منها.
• ادعاء الورع والتقى، بينما العمل شيء آخر.
• القفز على إنجازات الآخرين والتنكر للفضل.
وهذه الممارسات ليست نابعة من فراغ، بل نتيجة تراكمات فكرية، وتجارب مشوشة، ورؤية قاصرة للحياة، ما يحتم علينا الوقوف عندها بوعي وتشخيصها بدقة.
من أين نبدأ الإصلاح؟
إن أول خطوات الإصلاح لا تكون بالإنكار أو التبرير، بل بالاعتراف والتشخيص، ومن ثم البحث عن العلاج في مظانه الصحيحة. ونحن – المسلمين – نملك مرجعية إصلاحية متكاملة في القرآن الكريم والسنة النبوية، وضعها الله هداية للبشر، وأرسل بها نبيّه صلى الله عليه وسلم ليكون قدوة في التطبيق.
التوجيهات القرآنية
القرآن الكريم كتاب هداية، لم يترك خللًا إلا ووجّه لعلاجه، ومن ذلك:
• ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم﴾
• ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾
• ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾
• ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾
• ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾
• ﴿إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾
كل آية من هذه الآيات تمثل لبنة في بناء الإنسان المتوازن، وتؤسس لخلق رفيع ينعكس على سلوكه ومجتمعه.
التوجيهات النبوية
ولأن النبي ﷺ هو التطبيق العملي للقرآن، جاءت سنته لتجسد هذه القيم في حياة الناس، وتحوّلها من نصوص إلى أفعال، ومن أقوال إلى واقع:
• (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)
• (أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقًا)
• (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر)
• (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)
• (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء)
• (اتق الله حيثما كنت، وخالق الناس بخلق حسن)
إنها دعوة شاملة لإصلاح النفس، وإعادة تشكيل العلاقات الإنسانية على أساس الرحمة والمروءة والإيثار.
صور تطبيقية واقعية
ولكي لا تبقى القيم حبيسة الكتب والخطب، جاء التطبيق العملي في حياة المسلمين ليعزز الفهم ويكرّس السلوك:
• الزكاة والصدقات: نماذج حيّة للتكافل الاجتماعي.
• الإحسان إلى الحيوان: قيمة إنسانية سامية، تظهر حتى في أدق التفاصيل.
• الاهتمام بالجار: مبدأ راسخ يعكس مسؤوليتنا المجتمعية.
• الاجتماع في العبادات: مثل الجماعة والجمعة والحج، والتي توحّد الشكل والمقصد وتغرس روح الجماعة.
• احترام مشاعر الآخرين: ركيزة أساسية للعيش بسلام.
الرسالة الختامية
يا أبناء هذا المجتمع، كفى غفلة، وكفى مكابرة.
أفيقوا مما أنتم فيه، وابدؤوا الإصلاح من الداخل، لا بالتنظير، بل بالممارسة.
• لا تكتفوا بنسخ الآيات والأحاديث، بل اجعلوها منهجًا يوميًّا في علاقاتكم وسلوكياتكم.
• فعّلوا المعاملة الذاتية، وطبقوا مبدأ التغذية الراجعة.
• انشروا الرحمة في بيوتكم ومجالسكم وأعمالكم.
• واجعلوا شعاركم الدائم: (عامل الناس كما تحب أن يعاملوك).
فكل ما نعاني منه من أمراض نفسية أو اجتماعية، ما هو إلا نتيجة لسلوكيات خاطئة، وصور ذهنية مغلوطة ترسّخت مع الوقت، وآن الأوان لتصحيحها.
والله الموفق.















2 تعليقات
ماشاءلله تبارك الله المقال رائع جدا سلمت يمينك
جميل يا شيخ عبدالله بارك الله فيك ورحم والدك الجليل