/
/
فيصل الدبلوماسية

فيصل الدبلوماسية

Picture of بقلم ـ محمد سعد آل ماضي

بقلم ـ محمد سعد آل ماضي

في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعصف بالعالم، و تحت و طأة الأزمات الممتدة التي تشهدها المنطقة العربية ، تبرز شخصيات استثنائية تتحمل عبء الدفاع عن قضايا الأمة، وتمتلك من الحنكة و الرؤية و بعد النظر ما يجعلها محطّ أنظار المجتمع الدولي. ولا شك أن السياسة الخارجية السعودية في السنوات الأخيرة قد شهدت نقلة نوعية في خطابها وتوجهاتها، وذلك بفضل قيادة واعية، ورجال دولة يحملون على عاتقهم رسائل تاريخية، تتقاطع مع طموحات الحاضر ورهانات المستقبل.

من بين هذه الشخصيات البارزة، يبرز سمو الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، وزير الخارجية السعودي، بوصفه أحد أعمدة الدبلوماسية السعودية الحديثة، وامتدادًا طبيعيًا لمدرسة عريقة أسّسها الراحل صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل، طيب الله ثراه، والذي ظلّ لأربعة عقود وجهًا مشرفًا للسياسة السعودية في المحافل الدولية.

لقد نهل الأمير فيصل من تلك المدرسة السياسية العميقة، فجمع بين الرؤية الاستراتيجية، والهدوء الدبلوماسي، والحزم في المواقف، مستندًا إلى إرثٍ ثقيلٍ من المسؤولية التاريخية التي توجب على المملكة العربية السعودية أن تكون الصوت العاقل والموقف الثابت في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

الأمير فيصل، ومنذ توليه حقيبة الخارجية في عام 2019م، خاض ملفاتٍ معقدة، بعضها متوارث، وبعضها مفروض بواقع الظروف. غير أنه أدارها بكفاءة استثنائية، واستطاع أن يعيد ترتيب أولويات الخطاب السعودي، لا سيما في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي ظلت وستظل حجر الزاوية في سياسة المملكة الخارجية.

وفي لحظة تاريخية فارقة، استطاع الأمير فيصل، وبالتنسيق مع القيادة السعودية، أن يقنع أكثر من 93 دولة بالاعتراف بدولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، وهو إنجاز غير مسبوق في ميدان الدبلوماسية العربية، يعكس مدى قدرة الدبلوماسية السعودية على استعادة حضورها الفاعل، وفرض خطابها القائم على الحق والعدالة، ورفض سياسة الكيل بمكيالين.

اعلان

إن هذا الاعتراف لم يكن ثمرة تحرك لحظي أو انفعال عاطفي، بل جاء تتويجًا لعملٍ دؤوب، وتحرك سياسي منظم، ورسائل مدروسة وصلت إلى كل العواصم المؤثرة في العالم، مفادها أن إقامة الدولة الفلسطينية لم تعد خيارًا بل حقًا شرعيًا لا يمكن القفز عليه.

لقد جسّد الأمير فيصل في هذه المرحلة صورة الدبلوماسي الذي يتحدث بلغة العالم، لكنه لا يفرّط في ثوابت بلاده ولا قضايا أمته. دبلوماسي يحاور من موقع القوة، ويصوغ موقف بلاده وفق مرجعيات راسخة، بعيدًا عن ردود الأفعال أو الحسابات الضيقة.

ولعل المراقب المنصف يرى أن هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا ثقة القيادة السعودية به، ولولا الإيمان المطلق بعدالة القضية، والاستعداد للذهاب بها إلى آخر مدى، من خلال القنوات الدبلوماسية والقانونية والسياسية.

إن سمو الأمير فيصل بن فرحان، يمثل اليوم واجهة ناصعة للدبلوماسية السعودية، التي تتكئ على قيم الاعتدال، وتتمسك بالحقوق، وتتبنّى مواقف متزنة، لكنها حازمة في وقتها. وإن من الواجب علينا – نحن أبناء الكلمة وأقلام الوطن – أن نسلط الضوء على هذه النماذج الملهمة، وأن نقول كلمة وفاء في حق رجلٍ أثبت أن السياسة يمكن أن تكون أخلاقًا، وأن الدبلوماسية يمكن أن تنتصر للحق.

ولأنني كاتب سعودي، أؤمن بأن استقرار كل بلد عربي ومسلم هو من استقرارنا، فإنني أقدّم هذا المقال تحية تقدير لسمو الأمير فيصل، الذي خطّ اسمه بمداد المواقف، وارتقى بخطابنا السياسي إلى حيث يليق بمكانة المملكة العربية السعودية، وموقعها الريادي في محيطها العربي والإسلامي والدولي

شاركها

تعليق واحد

  1. المقال رائع جدا في معناة واسلوبه والحقيقة تبقى حقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى