في الماضي، كان لشيخ القبيلة مكانة عظيمة في نفوس قومه، ومقامًا رفيعًا بين أفراد مجتمعه، لا لأنه متسيد عليهم، بل لأنه خادم لهم وساعٍ في شؤونهم، كما يقول المثل: “سيد القوم خادمهم”. كان شيخ القبيلة رمزًا للحكمة، ومرجعًا للفصل بين الناس، وملاذًا للضعفاء، ويدًا ممدودة لكل محتاج.
في البادية، كان هو من يجمع القبيلة ويوجهها، يُصلح بينهم إن اختلفوا، ويأخذ بيدهم إن ضلّوا الطريق، يرحل بهم حيث الربيع والماء، ويحرص على إبعادهم عن الفتن والمشاكل. كان عونًا للفقير، يطرق أبواب الأغنياء ليعطي المحتاج، ويقوم مقام الغائب، ويحفظ السر، ويسعى في الخير دائمًا.
وفي الحاضرة، كان شيخ القبيلة هو العمدة في الحي، يصلح بين المتخاصمين، ويسعى في قضاء حوائج الناس، يزور المريض، ويساعد المحتاج، ويقف بجانب الأرملة واليتيم، في تلاحم وتكافل اجتماعي عزّ نظيره. لم يكن دوره شكليًا، بل كان فاعلًا، بتواصل دائم وجهد متواصل، ومحبة صادقة لأهل الحي والقبيلة.
لكن اليوم، تغيّرت الأدوار، وتبدلت الصور. أصبح بعض شيوخ القبائل مجرد صور أمام الأطباق الفاخرة، لا يُرى أحدهم إلا في مناسبات الأعراس، أو في مجالس كبار رجال الأعمال. الفقير لا يُسمح له بالاقتراب، والمحتاج لا يجد باب الشيخ مفتوحًا، والمريض لا يصله حتى بكلمة تعزية أو زيارة.
أصبح الهدف من المشيخة عند البعض هو الوجاهة الاجتماعية، لا خدمة الناس. لا نسمع عن شيخ زار مريضًا، أو سعى في صلح، أو تحدث مع مسؤول لتسهيل أمر محتاج. فهل هذه هي مكانة الشيخ؟ وهل هذا هو دوره الذي ورثه عن الآباء والأجداد؟
وفي هذا السياق، لا ننسى ما قاله صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال -حفظه الله- في لقاءه مع بعض شيوخ القبائل، حين خاطب أحدهم قائلاً: “إذا لم تؤدِ دورك في المجتمع، سنغيرك وننتخب غيرك”. كلمات تُحمل على محمل الجد، وتؤكد أن المسؤولية تكليف لا تشريف.
وقد يكون من المناسب أن تتحول مشيخة القبائل، مثلها مثل العُمد، إلى مناصب تُمنح بالكفاءة وتُدار بالانتخاب، بحيث يتم اختيار من هو أهلٌ لها، ممن يخدم قبيلته ومجتمعه بحق، بعيدًا عن المجاملات والمظاهر الفارغة.
فالدولة -حفظها الله- باتت توفر للمواطن كل احتياجاته، من الأمن، والصحة، والتعليم، والمساعدات الاجتماعية، ولم نعد بحاجة إلى من يكتفي بلبس البشت والتفاخر في المناسبات دون أي أثر فعلي في حياة الناس.
نقولها بكل محبة: هذا المقال دعوة للنقاش لا للتجريح، وللإصلاح لا للاتهام، فالشيوخ الذين لا يزالون على العهد نخجل أن نذكرهم بسوء، أما من انشغل بالمظاهر على حساب الجوهر، فليعلم أن الناس ترى وتعرف، وأن الأدوار لا تدوم إلا لمن يستحقها.














