│ تحوّلت بعضُ قضايا القتلِ والقصاصِ في السنواتِ الأخيرة إلى مشاهدَ مؤلمةٍ تتنافى مع مقاصدِ الشريعة، بعدما خرجتِ الدياتُ عن إطارِها الشرعيِّ والإنسانيِّ، لتدخلَ ساحةَ المزايداتِ والمكاسبِ الماديّة. فقد أصبحتِ الديةُ، التي شُرعت لتكونَ بابًا للعفوِ والتسامح، ميدانًا للمغالاةِ والاستغلال، وسوقًا مفتوحةً دخلها السماسرةُ والمتربّحونَ على حسابِ الأرواحِ والمآسي. │
│ الديةُ في أصلِها حقٌّ شرعيٌّ لأولياءِ الدم، حدّدها النبيُّ صلّى الله عليه وسلم بقوله: «في النفسِ مائةٌ من الإبل»، وهو ما يُعادل اليومَ بضعَ مئاتِ الآلافِ من الريالاتِ بحسبِ التقديراتِ القضائية. إلا أنّ الواقعَ تجاوزَ ذلك، حيثُ ارتفعتْ مطالباتُ بعضِ أولياءِ الدمِ إلى مبالغَ خياليةٍ بلغتْ ستينَ وسبعينَ مليونَ ريال، بل إنّ بعضَ الحالاتِ بدأتْ بمطالبَ قدرُها اثنا عشرَ مليونًا كدفعةٍ أولى، مع توقّعاتٍ بالزيادة، ممّا يُنذرُ بتحوّلِ هذه الظاهرةِ إلى عُرفٍ قبليٍّ خاطئٍ لا يمتُّ للدينِ ولا للعدلِ بصلة، بل يُعدّ خروجًا عن مقاصدِ الشريعةِ وتحريفًا لغاياتِها. │
│ ولا تقتصرُ الخطورةُ على المبالغةِ في المبالغِ المالية، بل تتجاوزُها إلى دخولِ وسطاءَ وسماسرةٍ يُسوّقون أنفسَهم كمصلحين، وهم في الواقعِ يتربّحون من جمعِ التبرّعات، ويقتطعون نسبًا لأنفسِهم في تجاوزٍ صارخٍ للشرعِ والأخلاق، وتحويلِ ملفٍّ إنسانيٍّ إلى مشروعٍ ربحيٍّ خاصّ، يُتاجَرُ فيه بدماءِ الناسِ تحتَ شعاراتٍ زائفةٍ وشهاداتٍ مفتعلة. │
│ ومن هنا، فإنّ الشريعةَ الإسلاميّة جاءت لتحقيقِ العدالةِ والرحمة، ولم تُشرَعِ الدياتُ لتكونَ وسيلةً للابتزازِ أو مصدرًا للثراءِ غيرِ المشروع. قالَ تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188]، وقالَ أيضًا: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40]. وقد بيّنَ العلماءُ أنَّ المغالاةَ في الدياتِ تُعدّ مخالفةً صريحةً لمقاصدِ الشريعة، وصورةً من صورِ أكلِ المالِ بالباطل، وتمويهًا على الناسِ باسمِ العفوِ والمروءة. │
│ والمؤسفُ في هذه القضيّة أنّ أصواتَ العقلِ والحكمةِ من مشايخِ القبائلِ ووجهاءِ المجتمع، وكذلك من رجالِ الدينِ المعتبرين، ليستْ مسموعةً في كثيرٍ من هذه القضايا، ولا يُؤخذُ برأيِهم في مسألةِ تحديدِ الديةِ أو ضبطِ سقفِها، رغمَ أنهم الأعرفُ بالأعرافِ، والأحرصُ على القيمِ، والأدرى بمقاصدِ الشريعة. وقد عبّر كثيرٌ منهم – حسبَ ما نعلم – عن عدمِ رضاهم تجاهَ هذه المبالغاتِ الخارجةِ عن الشريعة، التي شوّهتْ صورةَ العفوِ وأفرغتْه من مضمونِه، وأدخلتِ المجتمعَ في دوّامةٍ من الابتزازِ الماديّ باسمِ التسامحِ والصفح. │
│ ولا يختلفُ الحالُ مع رجالِ الفكرِ والأدبِ والإعلام، الذين يرَون في هذه الظاهرةِ انحرافًا عن الفطرةِ والعدالة، وابتذالًا لقيمةِ النفسِ البشريّة، إلا أنّ أصواتَهم تُغيّبُ عمدًا أو يُسكتُ عنها، بل يُستخدَمُ بعضُهم – دونَ علمٍ أو قصدٍ أحيانًا – كأداةِ ترويجٍ وتسويقٍ لهذه الحملاتِ المُبالغِ فيها، عبر تسليطِ الضوءِ الإعلاميّ دونَ نقدٍ أو وعيٍ بمخاطرِ هذا التضخيمِ الماديّ المرفوضِ شرعًا وعقلًا. │
│ وبناءً على ذلك، فإنّ من واجبِ الدولةِ اليوم أن تتدخّلَ بحزمٍ لتنظيمِ هذا الملف، ووضعِ أُطُرٍ نظاميّةٍ تمنعُ الانفلاتَ والفوضى، من خلالِ تقنينِ سقفِ الدياتِ بما يتوافقُ مع التقديرِ الشرعيِّ والنظاميّ، ومنعِ الحملاتِ العشوائيّةِ التي تُدارُ دون إشرافٍ رسميّ، مع ضرورةِ حصرِ جهودِ الوساطةِ والعفوِ في لجانِ الإصلاحِ الرسميّةِ التابعةِ لإماراتِ المناطق، لما تمتلكُه من صلاحيّةٍ شرعيّةٍ ونظاميّةٍ تمنعُ الاستغلالَ وتكفُلُ الحقوق. │
│ كما أنّ فتحَ الحساباتِ البنكيّةِ لجمعِ الديات لا ينبغي أن يتمَّ إلا وفقَ ضوابطَ صارمة، وبعدَ صدورِ حكمٍ نهائيٍّ من المحكمةِ يُقنّنُ مبلغَ الديةِ المستحقّ شرعًا، حمايةً للمجتمعِ من العبثِ الماليّ، وتحويلِ هذه القضايا إلى فرصٍ للثراءِ غيرِ المشروع. │
│ في خِضَمِّ هذا الانفلات، تبرزُ الحاجةُ الملحّةُ إلى إحياءِ ثقافةِ العفوِ لوجهِ الله، والتوعيةِ بها عبرَ المنابرِ والبرامجِ الإعلاميّةِ والرسائلِ المجتمعيّة. فالعفوُ شرفٌ لا يُضاهى، ومنهجٌ نبويٌّ كريم، وقد قالَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلم: «ما زادَ الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا». وإنّ تفعيلَ هذه الثقافةِ في المجتمعِ يُسهمُ في تهذيبِ النفوس، ويُغلقُ الأبوابَ أمامَ الجشع، ويمنعُ التكسبَ باسمِ النخوةِ أو الشهامة، التي أصبحتْ في بعضِ السياقاتِ غطاءً لغيرِها من الأهداف. │
│ إنّ الدياتِ ليستْ سلعة، والدماءَ ليستْ فرصةً للإثراءِ، والمجتمعَ مسؤولٌ أمامَ اللهِ والتاريخِ عن وقفِ هذه الممارساتِ الخاطئة، وصيانةِ القيمِ الشرعيّةِ من عبثِ الطامعين. فليكنِ العدلُ هو الميزان، والعفوُ هو المبدأ، والشرعُ هو المرجع، بعيدًا عن المزايداتِ، والتوظيفِ الخاطئ، والاستغلالِ الذي لا يرضاه عقلٌ
ولا دين.














