Picture of بقلم ـ عبدالرحمن المطرودي

بقلم ـ عبدالرحمن المطرودي

الاكتئاب لم يعد حالة عابرة أو مزاجًا سيئًا يزول مع الوقت، بل أصبح مرض العصر الفتّاك، يتسلل بهدوء إلى الأرواح، ويتغلغل في النفوس دون أن يُرى. هو أشبه ما يكون بالظلام الذي يسكن في قلب الإنسان، يهمس له كل يوم بأنه وحيد، بأن لا جدوى، بأن كل شيء ثقيل حتى الهواء.

ما يجعل هذا المرض أكثر قسوة، أنه غالبًا ما يصيب أولئك الذين يملكون الحسّ العالي، أهل المعرفة، المثقفين، أصحاب القلوب الرقيقة التي تتشقق بصمت، وأهل الكتمان الذين يتقنون تمثيل “أنا بخير” حدّ الإجهاد.

الاكتئاب لا يطرق الأبواب بصوت واضح، بل يدخل من شقوق الماضي.
أحداث انتهى وقتها لكن بقي أثرها، كلمات قاسية قيلت في لحظة ضعف، خيبات متراكمة، صدمات لم تُعالج، وألم أُجبر صاحبه على ابتلاعه دون أن يبوح به. كل تلك التفاصيل الصغيرة، تصنع وحشًا كبيرًا، اسمه الاكتئاب.

ما يزيد خطورته أن كثيرًا من المصابين به لا يبدون كذلك. يضحكون، يعملون، يتفاعلون، لكنهم في الداخل غارقون. قد ينامون كثيرًا أو لا ينامون أبدًا، يأكلون بشراهة أو يفقدون الشهية تمامًا. تتغير نظرتهم لأنفسهم، للحياة، وتفقد الأشياء معناها شيئًا فشيئًا.

وهنا تكمن المأساة؛
أن من يعاني من الاكتئاب لا يريد شفقة، بل فهمًا. لا يبحث عن حلول جاهزة، بل عن حضن صادق، عن من يستمع دون إطلاق الأحكام، عن من يقول له ببساطة: “أنا معك، ولا بأس أن تتعب.”

اعلان

العلاج موجود، لكن البداية دائمًا تكون بالاعتراف. لا بالهروب، ولا بالسكوت.
ولا عيب في الألم، فالقلوب التي تشعر بعمق، تتعب بعمق أيضًا.
والقوة الحقيقية ليست في الإنكار، بل في مواجهة هذا الوحش بصدق، وبطلب المساعدة دون خجل.

في النهاية، الاكتئاب لا يعني النهاية.
بل هو علامة أن الروح مرهقة وتحتاج من يربّت عليها، بلُطف… لا بحكم.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى