في خضم الحياة المعاصرة والأيام السريعة، حيث تتسارع الإيقاعات وتتداخل المهام والمسؤوليات والإلتزامات وتتكاثر الضغوط الحياتية اليومية، لعلنا نتسأل هل ما زالت العلاقات بين الإخوة والأقرباء على مايرام، أم أنها تأثرت بتلك العوامل، والضغط النفسي والاقتصادي، هل تلك العلاقات ضرورة حياتية في هذا العصر.
أعتقد أن العلاقات بين الأخوة والأقرباء هي من شكّلت الأسرة الصغيرة والعائلة الكبيرة وهي بعد الله الملاذ الأول للإنسان الطبيعي، ففي المجتمع العربي على وجه الخصوص هي من تهتم بالأهل والإخوة والأقرباء، فلذلك هو امتداد طبيعي للانتماء والأمان والاستقرار، وبينهم عامل مشترك يجمع تلك الأسر والعائلات منذ نعومة أظفارهم حتى نهاية المطاف، فالمجتمع العربي هو من يهتم بتربية النشء، ويهتم بصلة الرحم والتعاون والتكاتف والوفاء والشيم حتى بقي المجتمع يحمل القيم الصالحة لبقاء هذا التكوين، إلى يومنا هذا وبمساعدة الدين الإسلامي والذي يشجع على هذا التواصر بين أفراد العائلة والمجتمع الكبير.
من الناحية الدينية والاجتماعية فإن العلاقة بين الإخوة والأقرباء يكون أساسها الود والمحبة والتعاون والدعم المتبادل بين أفراد الأسرة والعائلة على مدى الأعوام والسنين، وكانت أكثر تلاحماً وتكاتفاً في فترة من الفترات الماضية ولكنها مع تغير البيئة والظروف أصبحت تلك المعاني متأرجحه بحسب الحال والأحوال والتغيرات الاجتماعية الاقتصادية، بشكل خاص فيعكر صفوها تلك الحسابات، والمنافسات والإقبال على الدنيا ومغرياتها، فتزداد المسافات بينهم، وكشفت لنا تلك الحسابات والمصالح هشاشة تلك العلاقات بسبب تغلب تلك الماديات على المبادئ وأصبحت الأمور مختلفة، ولم تعد تلك الروابط كما كانت من قبل حتى أن بعض تلك المشاكل البسيطة أصبحت معضلة في حلها وبقيت جراح لا تلتئم مهما طال الزمان! وأصبح هناك لامبالاة بين الإخوة والأقرباء، فتترك الأمور بلا نصح أو إصلاح أو ردع لانشغالهم بتلك المصالح، التي تغلبت على تلك الروابط الاجتماعية فميزانك اليوم بما معك من المستوى الاجتماعي والمالي وليس بالنسب
لم تعد تلك المجالس العائلية التي اعتدنا عليها أمرًا مسلَماً به نستطيع الحضور والتواجد كلما سنحت الفرصة، بل طالتها تلك التغيرات فهناك لابد من موعدٍ تسبقه الكثير من الحسابات، وتتلوه تحفّظات وتساؤولات، حيث لم يعد “الدم” كافيًا لاستمرار تلك العلاقات في ظل التهميش وانطفاء المودة والحب، فغاب الاحترام أو التفاهم فأصبحت العلاقة غليظةً تشوبها الحسد والحقد والكراهية لأسباب قد لا يعلمها أحد.
فأدى ذلك إلى تقليص تلك العلاقات ولو على حساب العائلة والاسم الكبير الذي يحملونه، كل ذلك لأجل علاقة محدودة، ومختصره للحفاظ على الابتعاد عن المسؤوليات واختيارهم لطرق وحسابات معينة لأشخاص محدودين، ولو كانوا غرباء.
لعلنا نعترف أن الزمن تغيّر وعلى ضوء ذلك فالعلاقات ستتغير حسب التوجهات والرغبات والمحسوبيات، وأن العلاقات الإنسانية يجب أن تُبنى على جودة التفاعل والمصلحة، لا مجرد روابط القُربى والدم .
هناك من يُصرّ على أن صلة الرحم لا تُقطع لكنها بالمقابل لا تُفرَض، فالعلاقات أصبحت حملاً ثقيلاً على كواهل الكثيرين فتحتاج إلى رعاية واهتمام لا يستطيعون معها الاستمرار دوماً بتلك الواجبات وحدها، فكلما قلّ ذلك الارتباط كلما زادت المساحة من الحرية والهدوء والاستقرار كما يرونه أو يعتقده البعض، فينقذون أنفسهم حسب ظنهم من ذلك العبء الثقيل.
وقبل النهاية فلعل العلاقة بين الإخوة والأقرباء تكون ضرورة حين تتبادل الأدوار والجميع يكونون داعمين لبعضهم متحملين مسؤولياتهم إتجاه بعضهم ، ولربما تكون عبء حين تستنزفنا تلك العلاقات، ويكون الاهمال عنواناً لهذه العلاقات حيث يقوم أحدهم بالتضحيات لأجلهم والبقية يمارسون دور الضحايا، وما بين هذا وذاك نحتاج إلى شجاعة بالاعتراف بالقصور و إعادة تعريف ما تعنيه “العائلة”، ليقوم كل شخص بدوره في زمن تغيّر فيه كل شيء، حتى معنى القرابة.
بقلم : عائض الشعلاني.














