“فارق التوقيت”

Picture of عائض الشعلاني

عائض الشعلاني

بين الأمس واليوم نعيش لحظات من ذكريات الماضي حيث لم يعد للحاضر طعم ولا رائحة ولا صوت ولامكان، كما كان في الماضي له طعم ورائحة وكانت الأصوات أنذاك تُطربنا تغاريد العصافير وحفيف الأشجار، واهتزام الأمطار الغزيرة وصفير الرياح بين النخيل والأشجار وخرير المياه، كل تلك الأصوات كان لها طابع خاص وما كان يسعدنا أصبح الآن يزعجنا لفارق التوقيت، هناك شيءٌ ما اختلف، لأن ذاك الزمن وتلك الأماكن اختلفت لأننا كنا في زمن البراءة والحياة الجميلة البساطة، ولأننا كنا في أحضان الطبيعة، والأهل الأب والأم لايشغلنا شاغل عن عبث الطفولة آنذاك.

الزمن لم يتغير ولكنه أخذ معه من الماضي كل تلك الذكريات، فكبرنا وابتعدنا وأصبح ماكنا نحبه ثقيلاً على كواهلنا وقلوبنا اليوم، لربما لفقدنا لمن كانوا معنا ويعيشون بيننا لربما أننا لم نعي ولم نكتشف الحياة إلا مؤخراً عندما تقدمت بنا السنون، وفي زحمة الحياة الراهنة، لم يعد يجذبنا شيء سوى الماضي الذي ابتعد عنا زمنه وناسته وبراءته وطيبة أهله وحُسن معشرهم.

كان للأكل طعم ورائحة نستمتع من خلالها الطعام، نتذوقه بلذة فكان للخبز واللبن والماء طعم ولون خاص، كان للقهوة رائحة يعج بها الفضاء منادية لعشاقها ليرتشفون سوياً من تلك الدلال عبر تلك الفناجيل، التي يدار الفنجال الواحد منها على أكثر من أشخاص يتلذذون من طعمها وينتظرون أدوار هم، ليعود إليهم ذلك الفنجال مرةً أخرى عبر سواليف وحكايات ومسامرات بين الأهل والأحبة والجيران، وكان للخبز رائحته وللألبان لذتها وللسمن طعمه؛ يتلذذ بها الكل والجميع شاكرين الله وحامدين.

كنا نتأمل في السماء نجومها وقمرها في ليلة مظلمة حالكة السواد في فناء منزلنا، ونعيش على أصوات مكائننا والتي لها أصوات تميزها عن الأخرى هذه مكينة فلان وتلك لفلان منذ شروق الشمس إلى مغيبها، ننعم بظلال الأشجار ونسيمها ونلهو ونلعب ونعمل على سُقياها، والاعتناء، بها كل ذلك في الماضي مازالت عالقةُ بالأذهان، رغم قساوة الظروف وحرارة الشمس، إلا أننا نحب الحياة ونعشقها ونتلذذ بتفاصيلها.

كنا نتأمل تلك المراوح منزعجين من أصواتها رورورورورورو وكأن في صوتها بحة، كم نعشقها اليوم وكأنها من أفضل ماعُزف من الألحان والأهازيج في ذلك الماضي، كم كنا نعشق الألوان الأبيض والأصفر والأحمر والأخضر على أبواب منازلنا وجدرانها من داخل تلك الغرف وخارجها، وفي دواليب أمهاتنا، وأصبحت اليوم لها معنى آخر مما جعلنا نحزن كثيراً ونكره البعض منها، حيث كانت في ذلك الزمن تعني تلك الألوان الجمال والنقاء والصفاء والحب، واليوم للأحمر معنى من الخطورة والتحذير، وكذلك الألوان الأخرى لها معاني مختلفة عن ما كنا نعرفه في ذلك الزمن، لم نكره الحاضر ومافيه ولم نحب إلا لأنها كانت تربطنا بأشخاص مرّوا ومضوا، أو بمواقف عالقة بين الوجع والحنين.

اعلان

كم من مكانٍ كرهناه لأن فيه من ذكريات الألم والدموع، ثم عدنا إليه بعد زمن طويل فشعرنا بالدفء والحنين إليه، وكم من أصوات أحببناها ثم كرهناها لأنها ارتبطت بفقدان أو خيبة؟

في النهاية، فارق التوقيت بين حياة الأمس واليوم لا يُقاس بعدد السنين الأعوام، بل بالأثر وما تُرك من الذكريات تبقى ملونة، وبعضها يتلاشى كالصور الباهتة، ما نحبّه أو نكرهه اليوم، غالبًا ما يكون انعكاسًا لشيء دفين في دواخلنا، شيء ما زال يعيش هناك في الأمس.

بقلم : عائض الشعلاني.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى