تُعدُّ جمعيات تحفيظ القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية من الركائز الأساسية في بناء الهوية الدينية، و ترسيخ قيم الإسلام و تعاليمه السامية بين أفراد المجتمع. و بالنظر إلى حجم هذه المسؤولية، فإن الحاجة أصبحت ملحّة إلى مراجعة الأنظمة و الإجراءات المنظمة لعمل هذه الجمعيات، بما يضمن تحقيق رسالتها النبيلة، مع الحفاظ على سلامة منهجها الإداري و المالي و الفكري. إن المرحلة الحالية تتطلب وضع نظام رقابي متكامل و دقيق لمتابعة أداء مجالس إدارات جمعيات تحفيظ القرآن الكريم. ويُقترح أن يتم اختيار أعضاء مجالس الإدارات بإشراف مباشر من جهات رقابية و تنظيمية ذات اختصاص، تشمل: وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، رئاسة أمن الدولة، هيئة الرقابة و مكافحة الفساد، وزارة الداخلية، و المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي؛ لضمان الشفافية، و الحيادية، و المصداقية في التشكيل.
كما تبرز أهمية تشكيل لجان علمية متخصصة في علوم القرآن الكريم و السنة النبوية، تتولى مراجعة المناهج والمقررات، و فحص مؤهلات وسجلات المحفّظين و المحفظات؛ للتحقق من سلامة الفكر، واستقامة المنهج، والالتزام بالوسطية والاعتدال، حمايةً للنشء من أي اختراقات فكرية أو انحرافات سلوكية.
وفي الجانب المالي، لا بد من حصر جميع الأوقاف و العقارات العائدة للجمعيات، و تحديث بياناتها بصفة دورية، مع إخضاعها لرقابة مالية صارمة و مستقلة. و يُشترط أن تخضع كافة التبرعات و الإيرادات و الوقفيات للمراجعة عبر لجان مالية محايدة، مع توثيق أوجه الصرف و فق الأنظمة و اللوائح الرسمية لضمان الشفافية الكاملة.و من الضروري أيضًا صياغة نظام حديث و شروط دقيقة للانضمام إلى عضوية الجمعيات، يركز على اختيار الكفاءات العلمية و الشرعية المشهود لها بالنزاهة و الاستقامة و حسن السيرة، مع إبعاد كل صور المحاباة أو الانتماءات الضيقة التي قد تؤثر سلبًا على العمل المؤسسي.
وفي إطار تطوير الهيكل التنظيمي ، يُقترح إعادة صياغة تنظيم الجمعية العمومية بحيث تكون أكثر فعالية، مع منح أعضائها صلاحيات أوسع في المراقبة و المساءلة، و تمكينهم من أداء أدوارهم بمزيد من المرونة والمسؤولية، لتكون الجمعية العمومية داعمًا حقيقيًا للحوكمة،
لا مجرد إطار شكليإن الحفاظ على نقاء رسالة جمعيات تحفيظ القرآن الكريم، يتطلب منا جميعًا – مسؤولين ومواطنين – أن نعمل على ترسيخ مبادئ الشفافية و الحوكمة الرشيدة، وضمان استمرار هذه الجمعيات كمنارات علمية و دعوية مضيئة، تربي الأجيال على القيم الإسلامية السمحة، و تحصنهم من الغلو و الانحراف.
إنها مسؤولية و طنية و دينية عظيمة تتطلب قرارات جريئة، و إجراءات عملية مدروسة، حتى تؤدي جمعيات التحفيظ رسالتها بالشكل الذي يليق بمكانة المملكة العربية السعودية وريادتها في خدمة الإسلام والمسلمين.
ختامًا،
أتمنى أن يجد هذا الاقتراح أذنًا صاغية لدى معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، وكافة الجهات المعنية ذات العلاقة.
كما آمل أن يُسهم في تطوير عمل جمعيات تحفيظ القرآن الكريم، وضمان تحقيق أهدافها السامية، بما يعزز العناية بكتاب الله تعالى، ويخدم رسالته الخالدة في بناء مجتمع واعٍ و متزن














