من المبالغة أن يقال أن على الإنسان أن يكون مسالمًا في النأي بذاته وبحياته عن المشكلات الاجتماعية ومنغصات الصفاء مهما بلغت مبتغيًا سلامًا نفسيًا وحياةً هادئةً ، كما أنه من غير الطبيعي أن يجنح الإنسان منا دائمًا نحو العداء مع الآخرين بحجة نيل حقٍّ له أو دفع ضرر مسّه أو سيمسّه ، وليس من المعقول كذلك أن يظل المرء على أهبة الاستعداد دومًا تحسبًا لأي أزمة مفاجئة قد تباغته بأي شكلٍ كانت لتعكر صفو حياته .
إن خط الزمن لكلٍّ إنسان أمر قدري وحتمي ، ولكن طريقة سيرنا عبره – باعتقادي – من اختيارنا نحن ” بل الإنسان على نفسه بصيرة ” ، وهنا لا أتطاول إطلاقًا على سيرورة الأقدار التي تأتي تبعًا للكدح الذي كتبه الخالق سبحانه على إنسان هذه الدنيا ، ولكنني أفهم – كمسلم – بأن القدر والدعاء يعتلجان بين السماء والارض ولا يرد القدر إلا الدعاء ، وهنا تتجلى رمزية معينة لتغير القدر بتغير حال الإنسان لنفسه متى ما أراد ذلك ، مصداقًا لقول الله ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” .
في استطلاعٍ للرأي أجري على عددٍ من الناس للبحث عن جواب لسؤال : كيف تعيش الحياة سعيدًا ؟ – لمحته وأنا أحضر لهذا المقال – ؛ أظهرت الإجابات تباينًا في طريقة وأسلوب السعادة التي يرجوها كل واحد منهم مع اختلاف حجمها ، وعندما حدقتُ نحو زاويةٍ أخرى من السؤال وجدت البعض يجيب عن السؤال كما لو أنه يأتي بمعنى: في أي مرحلة من مراحل حياتك تكون السعادة ؟ والغريب أن البعض اختار حياة الشيخوخة ليراها هي أسعد مراحله رغم ما يشوبها – أحيانًا- من وهن وضعف وعزلة وغربة وانكفاء ، وربما أن لهؤلاء الأشخاص المنحازين للشيخوخة مبرراتهم التي لن تخرج عن إطار الإعداد لمرحلة الشيخوخة مبكرًا .
نسمع ونقرأ عن قواعد عدة يحيكها المختصون لضمان أن يعيش الناس في حياةٍ سعيدةٍ ، ولكنني أرى أن من أصدق ما قيل قاعدة ( تعلم متى ترحل ) هذه القاعدة التي لو فلسفناها قليلًا لوجدنا أن الرحيل هنا لا ينحصر في مغادرة الوظيفة أو الحياة الدنيا فحسب ؛ بل ربما يكون مغادرة مرحلة عمرية لأخرى أكبر ، وإذا وصل الواحد منَّا إلى هذه الفلسفة بهذا المعنى ؛ فقد وصل إلى مرحلة متقدمة من العمر وهو في نضجٍ كافٍ يخوله للسلام لأنه أعد لها مسبقًا .
وعودًا على بدء فمن يرجو حياة سلام حتى منتهى العمر ؛ فعليه أن يتقن قراءة ما يلي :
أولاً : من المسلَّم به أن الحياة ليست دار سعادة دائمة كما أنها ليست دار شقاء دائم ، ولذا فنحن بين رخاء وابتلاء وهذا حال الدنيا فلا تقلق ولا تتثاقل خطواتك وكما قال الأمير خالد الفيصل :
الوقت لو زان لك ياصاح مادامي
يا سرع ما تعترض دربك بلاويها
ثانيًا : التوازن في كل شيء هو المعنى الواضح للوسطية ، فلا إغراق في الوظيفة والعمل ولا انطواء عن العمل والكدح ، ولا لهث خلف المال ولا انزواء عن جلبه وتنويع مصادره ” عش لدنياك كأنك تعيش أبدًا وعش لآخرتك كأنك تموت غدًا ” وبين الحياة والموت تكمن السعادة .
ثالثًا : التعايش مع الظروف – أيًا تكن – أراه قمة السلام في الحياة لأن التعايش نتيجة طبيعية للقناعة والقناعة نتيجة طبيعية للإيمان .
أخيرًا الحب : الحب هو حديقة الحياة المزهرة ، فلا تبخل على نفسك بحبها حتى ولو كنت أنانيًا ، ولا على أهلك ومن تجاور وتصادق ، وحتى حياتك ذاتها أحبها وحاول أن تعيشها وتتقبلها بابتسامة ألا يكفي أن تكون ابتسامتك في وجه أخيك صدقة ؟؟ فكيف لا تتصدق على نفسك أمام المرآة صباح كل يوم ومساءه ؟؟ وسلامٌ لحياتنا جميعًا حتى منتهى العمر .
قلم / توفيق محمد غنام















تعليق واحد
في هذا النص العميق، يقدّم الأستاذ توفيق غنام رؤية متزنة لحياة السلام، لا كحالة مثالية بعيدة، بل كفنّ يتقنه من وعى بتقلبات الحياة ولم ينسَ قلبه في زحمة الطريق. رفضه للتطرف بين الانعزال والصدام يعبّر عن نضج فكري، وتصوره للرحيل كتحوّل داخلي لا كمغادرة مادية، هو لفتة فلسفية تستحق التأمل.
النص يوازن بين الدين والتجربة، بين الحب كقيمة إنسانية، والوعي كمسار. يختم الكاتب بدعوة ذكية: ابتسم لحياتك… وتصدّق على نفسك كل صباح. إنها دعوة للسلام الواعي، لا للهروب من الحياة.
نصّ يستحق القراءة، والتوقف، وربما إعادة التفكير في كيفية عيشنا لهذا العمر.