كما اشرت في مقال سابق بعنوان ” مخطط التهجير وازدواجية المعايير”, وكما نسبت مؤخرا وسائل إعلامية عن مصادر إعلامية مطلعة بقولها إن إسرائيل قررت فرض اجراءات التجويع بحق المدنيين في قطاع غزة, وكما نقلت هذه المصادر الإعلامية من مشاهد مؤلمة لتزاحم مجموعات من الأطفال و هم يبكون أمام مكاتب توزيع الغذاء أملا بأن يجدوا من يقدم لهم ما يسد رمقهم و ينقذهم من شبح الموت جوعا بعد اغلاق الكيان الإسرائيلي كل المعابر والمنافذ البرية ومنع دخول شحنات المواد الغذائية والدوائية وكذلك منع ادخال الوقود المستخدم لتشغيل المستشفيات والمراكز الطبية إضافة لمساومة الفلسطينيين سابقا على ادخال الوقود الى غزة مقابل اطلاق سراح أسرى صهاينة كما ذكرت في مقال بعنوان ” الوقود مقابل اليهود”.
واليوم، وبعد فرضه لسياسة التهويد من خلال بناء المزيد من المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، تستخدم حكومة اليمين المتطرف في الكيان الإسرائيلي سياسة التجويع الرامية الى تهجير سكان القطاع الى دول أخرى بعد فشل حكومة الليكود بزعامة مجرم الحرب نتنياهو في تحقيق النصر على الأرض رغم مضي عام و نصف العام على ارتكاب المجازر بالقصف العشوائي على منازل المدنيين ما أسفر عن استشهاد أكثر من 50 ألف فلسطيني معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن, اذ لم يكتف زعيم عصابة المجرمين بكل هذا العدد من القتلى والمصابين, بحثا كما يزعم عن كل ما يسهم في توفير الأمن لإسرائيل كما أشرت في مقال سابق بعنوان ” البحث عن الأمن بين أشلاء الأبرياء”.
وأثناء تصريحاته التي أدلى بها مؤخرا قال رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي أنه سيواصل الحرب والتدمير واحتلال المزيد من الأراضي في قطاع غزة لاستكمال ما وصفه بالنصر على قطاع صغير لا تتجاوز مساحته 360 كيلو متر مربع.
وهنا, ومن خلال هذا المنبر الصحفي أتساءل ان يكن بمقدور هذا السّفاح المجرم بعد فشله بإسقاط غزة عسكريا أن يحقق النصر و يجلب الأمن لليهود بفرضه لسياسة التجويع الرامية الى خلق أزمة مجاعة شديدة يعتقد بأنها ستدفع السكان الأصليين باتجاه القبول بخيار الهجرة القسرية والخروج الاضطراري من وطنهم وبالتالي تحقيق أهداف المشروع الاستعماري الإسرائيلي الأمريكي المشترك, أتساءل ان يكن بمقدوره كسر إرادة المجتمع الفلسطيني الصامد على أرضه و المناضل لاسترداد حقوقه و تقرير مصيره, والرافض لسياسة التهويد والتجويع والتهجير.
و رغم مبادرات وقف اطلاق النار, ورغم المبادرات المتعلقة بحل الدولتين, و رغم مرجعيات السلام و قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية, و رغم القرار الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن ادانة بنيامين نتنياهو بجرائم حرب والطلب من الدول الأعضاء في المحكمة باعتقاله و تسليمه للمحكمة الجنائية الدولية, رغم كل هذه المبادرات والقرارات فان هذا السفاح الجبان لا يزال مستمرا في جرائمه على مرأى و مسمع المجتمع الدولي في تحدّ سافر وانتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي وقانون حقوق الانسان وكل الأعراف الدولية.
والغريب أن هذا السفاح الجبان المتعطّش لسفك دماء الأطفال والنساء والاستمتاع بتجويعهم, والذي ما أن يسمع دوي صفارات الانذار حتى يخرج من مكتبه مذعورا و مرعوبا باتجاه الملاجئ والأنفاق, الغريب أنه يجد في هذا العالم من يسانده و يدافع عنه و يدعمه بالمال والسلاح والعتاد أمثال الرئيس الأمريكي الأسبق جون بايدن و الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي كشف مؤخرا بعد فوزه بالانتخابات الأمريكية و دخوله البيت الأبيض عن خطة لتهجير أهل غزة و تحويلها الى منتجع سياحي مطل على البحر الأبيض المتوسط كما أوضحت في مقال بعنوان ” مخطط التهجير وازدواجية المعايير”.
بقي أن أشير الى أنه ينبغي على المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والمفوضية السامية لحقوق الانسان الالتزام بمسئولياتهم تجاه حماية المدنيين الأبرياء في كل الأراضي العربية المحتلة لا سيما حقوق الأطفال الجوعى والجرحى والمرضى، وكذلك ضرورة تحرك المجتمع الدولي لوقف العربدة الإسرائيلية في قطاع غزة حيث تقصف المنازل والمدارس والمراكز الايوائية والطبية والاغاثية.
كما يجب على مجلس الأمن الدولي اتخاذ كافة التدابير الممكنة للضغط على حكومة اليمين اليهودي المتطرف لأجل احترام القانون الإنساني الدولي الذي ينص على وجوب فتح المعابر والمنافذ لدخول المساعدات الإنسانية الاغاثية أثناء الحرب لإنقاذ البشرية من تفشي أزمة المجاعة وانتشار الأوبئة بسبب شح المواد الغذائية والدوائية وبسبب استهداف المراكز الطبية, ناهيك عن نفاذ كل أشكال الامدادات الأساسية الأخرى التي تتعمد إسرائيل وقفها كليا عن سكان القطاع في ضل استئناف عملية التجويع الشاملة, بمعنى أن الحكومة الإسرائيلية تتعمد دفع السكان المحليين الى الترحيل القسري أو انتظار الموت جوعا و عطشا بعد فشلها حتى اليوم في تحقيق النصر على أصحاب الأرض المناضلين من أجل الحرية والكرامة الإنسانية والاستقلال واسترداد الحقوق المسلوبة و تقرير المصير.
يقول الشاعر عمر أبو ريشة:
أ لإسرائيل تعلو راية ** في حمى المهد وظل الحرم؟!
ربّ “وامعتصماه” انطلقت ** ملء أفواه الصبايا اليتّم
لامست اسماعهم لكنها ** لم تلامس نخوة المعتصم
أيها الجندي يا كبش الفداء ** يا شعاع الأمل المبتسم
بورك الجرح الذي تحمله ** شرفاً تحت ظلال العلم














