منذ القدم، كانت السماء مرجعًا للإنسان في معرفة الوقت، و فصول السنة، و تحديد المواسم الزراعية والدينية، و كان الناس يعتمدون على منازل القمر وسير الكواكب، في توافق بديع بين الطبيعة والحياة. ومع تطور العلم، دخلت الحسابات الفلكية الدقيقة على الخط، وأصبح الجدل محتدمًا بين الرؤية البصرية والحسابات الفلكية، خاصةً في إثبات الشهور الهجرية، كرمضان وشوال وذي الحجة.
هذا الجدل، الذي يتكرر كل عام، يدفعنا إلى التوقف وطرح السؤال: أين هو الميزان العلمي والشرعي؟ ومن هو الرائد الذي وازن بينهما؟
دخول في لبّ الجدل الفلكي
في السنوات الأخيرة، تزايد الجدل بين فلكيين بارزين، منهم من يرى أن الحساب الفلكي أدق من الرؤية، ويكفي للاعتماد عليه، ومنهم من يتمسك بوجوب تحقق الرؤية البصرية الشرعية كما ورد في السنة النبوية.
من أبرز من تبنّى الرأي الأول الدكتور خالد الزعاق، الذي يرى أن الهلال يُحسب بدقة رياضية، ولا حاجة للرؤية إن تعذرت.
في المقابل، يعارضه فلكيون آخرون مثل الدكتور عبدالله المسند والفلكي ملهم هندي، ممن يؤكدون أن الرؤية الشرعية تبقى الأساس، والحساب يُستأنس به لا يُعتمد عليه كليًا.
الرجوع إلى ميزان الحكمة: تقويم العجيري
وسط هذا الجدل الموسمي، يلوح في الأفق اسم راسخ، ومؤسس علمي وفلكي كبير، وهو الدكتور صالح محمد العجيري، رحمه الله، الذي أسس منهجًا متوازنًا في الحساب الفلكي، فكان تقويمه يُعتمد في الكويت والخليج من العام 1952م وحتى أوائل القرن الحادي والعشرين، وظل طوال هذه السنوات مرجعًا دقيقًا، يجمع بين المعلومة الفلكية والأحكام الشرعية.
وقد استفاد من طريقته تقويم أم القرى، الذي يُعد المرجع الرسمي في المملكة العربية السعودية، وهو اليوم يسير على الأسس ذاتها التي وضعها العجيري، خاصة في ربط بدايات الشهور بـ”منازل القمر”، واحتساب ولادة الهلال وغروبه بعد الشمس في مكة المكرمة.
منازل القمر.. أساس التقويم القمري
لقد كانت المنازل القمرية، وعددها 28 منزلة، من أقدم ما اعتمد عليه العرب في حساب الشهور، وهي التي تدور فيها القمر خلال دورته الشهرية حول الأرض.
وقد عني بها الدكتور العجيري عناية خاصة، وربطها بالأحوال المناخية، والمواسم الزراعية، والعبادات الشرعية، كالصيام والحج.
فكان تقويمه لا يكتفي بإعلان الشهر، بل يُقدّم رؤية فلكية موسعة للظواهر التي تصاحبه.
خاتمة: العودة إلى المنهج المعتدل
ما أحوجنا اليوم إلى الرجوع لمنهج الدكتور العجيري، الذي جعل العلم في خدمة الشرع، لا في صدام معه، ورأى أن الرؤية البصرية الشرعية تُكمل الحساب، لا تُلغيه.
فتقويمه، الذي استمر لأكثر من نصف قرن، شاهد على تاريخ من الدقة والانضباط، وينبغي أن يُعاد إليه الاعتبار في زمن كثرت فيه الأصوات، وقلّ فيه الاتزان.














