يأتي شهر رمضان كل عام ليحمل معه نفحاته الروحانية وأجواءه الإيمانية، لكنه في الماضي كان له طابع مختلف، حيث كانت الحياة بسيطة، والعلاقات الاجتماعية أكثر ترابطًا، والأجواء الرمضانية مليئة بالتواصل والتراحم. واليوم، نستضيف الشاعر المخضرم دسمان بن مناحي آل محمد السبيعي، أحد أبناء محافظة رنية البارزين، والذي عُرف بشعره الرفيع وأدبه الجم، وكان نموذجًا يُحتذى به في بره بوالديه. في هذا اللقاء، نستعيد معه ذكرياته عن شهر رمضان قديمًا، ونعود معه إلى زمن كانت فيه القلوب أنقى، والمجتمع أكثر تكافلًا.
إليكم هذا الحوار الصحفي:
س1: نرحب بك شاعرنا القدير، ونود أن تحدثنا عن أولى ذكرياتك في شهر رمضان المبارك؟
أهلاً وسهلاً بكم، ورمضان مبارك عليكم وعلى الأمة الإسلامية. عندما أسترجع ذكرياتي عن رمضان في الماضي، تعود بي الذاكرة إلى أيام الطفولة، حين كنا ننتظر هذا الشهر بشوق كبير، ونستعد له بفرحٍ غامر. كان رمضان يعني لنا أشياء كثيرة، فهو شهر البركة والخير، وكانت فرحته تبدأ برؤية الهلال، حيث يخرج الجميع إلى الساحات أو أسطح المنازل لرصد ظهوره، وكان الكبار يرددون الأدعية، بينما يشعر الصغار بحماسٍ لا يوصف.
أما عن الصيام، فقد كنا نتعلمه بالتدريج، حيث نصوم حتى الظهر أو العصر في البداية، ثم يُكافئنا الأهل بكلمات التشجيع، ومع مرور السنوات اعتدنا على إكمال الصيام يومًا بعد يوم، حتى أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا.
س2: كيف كانت أجواء رمضان في ليالي رنية قديمًا؟
رمضان كان مليئًا بالحياة والدفء الاجتماعي. بعد الإفطار، كان الجميع يتوجه إلى المسجد لأداء صلاة التراويح، حيث تمتلئ المساجد بالمصلين، وكان البعض يجلس بعد الصلاة لتلاوة القرآن، في سكينة روحانية لا تُنسى.
أما المجالس، فكانت عامرة بالحكايات والأحاديث الودية، حيث يجتمع الرجال في الديوانيات، يتحدثون عن أمور الحياة، ويتبادلون الحكم والأمثال، بينما يتبارى الشعراء في إلقاء القصائد التي تعبر عن القيم والتقاليد. وكان الأطفال يلعبون في الأزقة، يعيشون فرحة رمضان بطريقتهم الخاصة، في جوّ من الألفة والمودة.
س3: كيف كانت موائد الإفطار والسحور في ذلك الزمن؟
كانت موائد الإفطار رغم بساطتها مليئة بالبركة والخير. التمر واللبن كانا أساسيين في كل بيت، ومعهما خبز البر أو الذرة، وأحيانًا حساء يُحضر من المكونات المتاحة. لم تكن هناك أصناف كثيرة كما هو الحال اليوم، لكن كان الطعام يُعد بمحبة، وكان الجميع يحرص على مشاركة الجيران والمحتاجين.
أما السحور، فقد كان يعتمد على الأكلات الخفيفة، مثل التمر والماء أو الحليب، وأحيانًا العصيدة أو الخبز بالسمن والعسل. وكان الناس يتناولون السحور قبل الفجر بوقت قصير، حيث كان السحور من العادات المهمة التي لا يُستغنى عنها، اقتداءً بسنة النبي ﷺ.
س4: هل كانت هناك عادات وتقاليد معينة خلال شهر رمضان؟
بالطبع، كانت هناك عادات جميلة تعكس روح التكافل والتعاون. من أبرزها توزيع الأطعمة بين الجيران، حيث كان من النادر أن يفطر أحد بمفرده. كما كان الأطفال يفرحون باللعب بعد الإفطار، بينما كان الكبار يقضون الوقت في الذكر والتعبد.
ومن العادات الرمضانية أيضًا، أن العائلات كانت تجتمع بعد الإفطار لقراءة القرآن، حيث يُخصص لكل فرد جزء معين ليقرأه، مما يساعد في ختم المصحف أكثر من مرة خلال الشهر الفضيل.
س5: كيف كان الناس يودعون رمضان قديمًا؟
كان وداع رمضان يحمل مشاعر متناقضة، بين الحزن على فراق شهر الخير، وبين الفرح بقرب العيد. في العشر الأواخر، كان الجميع يزيدون من اجتهادهم في العبادة، حيث يحرصون على قيام الليل، والاعتكاف في المساجد لمن استطاع.
و مع اقتراب العيد، تبدأ الاستعدادات بشراء الملابس الجديدة للأطفال، وتحضير حلويات العيد البسيطة، وكان الناس يتزاورون للتهنئة، في جو من البهجة والمودة. كما كانت العيديات تُوزع على الصغار، رغم بساطتها، لكنها كانت تحمل لهم فرحة لا توصف.
س6: كيف أثر رمضان في إبداعك الشعري؟ و هل كتبت عنه ؟
رمضان يُلهم الشاعر بمشاعر خاصة، فهو شهر التأمل والسكينة. كتبتُ عنه العديد من القصائد، حيث تناولت أجواءه الروحانية ، و تأثيره على النفس البشرية، وأهمية القيم التي يُرسخها في المجتمع. الصيام والعبادة يمنحان الشاعر حالة من الصفاء الذهني، مما يجعله أكثر قدرة على التعبير عن مشاعره من خلال الشعر.
ختام اللقاء
كانت هذه الرحلة الجميلة مع الشاعر دسمان بن مناحي آل محمد السبيعي، حيث استعدنا معه ذكريات رمضان الماضي، الذي كان مليئًا بالمحبة والبساطة والروحانية العميقة.
كل الشكر والتقدير لشاعرنا القدير على هذا اللقاء الثري، ونسأل الله أن يعيد علينا رمضان ونحن في خيرٍ وعافية.














