/
/
“ثوابتُنا في زمنِ المتغيرات”

“ثوابتُنا في زمنِ المتغيرات”

Picture of عائض الشعلاني

عائض الشعلاني

لا يختلف اثنان على أن المجتمعات البشرية في حالة ديمومة وتغير مستمر، إلا أن هذا التطور لا ينبغي أن يكون ذريعةً للتنصل من الجذور التي قامت عليها أعمدة تكاتفنا الاجتماعي. يلاحظ المتابع اليوم فجوةً تتسع بين الأجيال، فبينما يرى البعض في التمسك بالعادات والتقاليد أغلالاً تعيق الفرد عن حريته أو تُصنّف في خانة الرجعية بدعوى الانفتاح والتمدن، نجد آخرين يتمسكون بها كحصنٍ منيع يقي الفرد غوائل الأيام وتقلبات الليالي.

 

إن التساؤل هنا: هل كانت هذه العادات يوماً عائقاً للتقدم أم أنها كانت ولا تزال الصمّام الذي يحمي تماسك المجتمع؟ عند الأزمات، في المجتمع السعودي تحديداً، لم تكن الأعراف الاجتماعية يوماً مجرد بروتوكولات جامدة، بل كانت نظام أمان تكافلياً “بل الفزعة في حِلها”، وليست مجرد تعبير عن الشهامة، بل هي استجابة فطرية لنداء الأخوة في الأزمات المالية أو المعنوية. وتلك الحفاوة وكرم الضيافة ليست ترفاً، بل هي تأكيد متبادل على قيمة الفرد ومكانته في محيطه الاجتماعي.

 

غير أن التناقض الصارخ يتجلى في أولئك الذين يصدّرون خطاباً يدعو للتحرر من هذه “الأغلال” ويهجون التقاليد باعتبارها مسبباً للتخلف كما يظنون. فإذا ما ألمّت بهم نوائب الدهر وضاقت بهم مسالكهم، كانوا أول الطارقين لأبواب الأهل والقرابة، مستحضرين في لحظة ضعفهم تلك القيم التي سخروا منها في لحظة قوتهم واستغنائهم. هذا السلوك يثبت ببساطة أن التقاليد ليست طقوساً عابرة، بل هي حاجة إنسانية ملحة لا غنى للفرد عنها مهما بلغ من المنصب أو الغنى.

اعلان

 

إن فلسفة “الناس بالناس” ليست مجرد مثل دارج، بل هي واقعٌ عملي حث عليه الدين الحنيف في صلة الرحم والتعاون على البر والتقوى. فالمجتمعات القوية هي التي لا يعيش فيها الإنسان كجزيرة معزولة، بل يجد في محيطه عضيداً وسنداً.

 

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في التخلي عن العادات، بل في تهذيبها وتطويعها لتناسب العصر دون المساس بجوهرها النبيل. نحن بحاجة إلى إعادة صياغة الوعي لدى أجيالنا ليدركوا أن الوقوف جنباً إلى جنب ليس دليلاً على ضعف الشخصية كما يعتقد البعض، بل هو ترجمة حية لنبل الأصل وعمق الوعي والمسؤولية المجتمعية.

 

اليوم أنا بحاجة إليك، وغداً ستكون أنت بحاجة إليّ. هذه الدورة التبادلية من المواقف هي التي تصنع المجتمع الحيّ المتماسك، فهي ليست للمباهاة، بل هي بناءٌ لجسور المحبة التي لا تنهار تحت وطأة المتغيرات، فلنحافظ على أصالتنا ولنجعل من تقاليدنا إرثًا يجمعنا لا قيدًا يُفرّقنا.  

بقلم / عائض الشعلاني.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى