كثيراً ما ترتفع الأصوات وتُجيَّش الجهود ويُستدعى أهل البلاغة والفصاحة ويجتمع أصحاب الوجاهات ومن لهم أتباع وحضور كل ذلك عندما تكون هناك قضية قصاص أو قضية تحظى باهتمام واسع.
لكن العجيب أن كثيراً من هؤلاء يَغيبون أو يُغيبون عندما يتعلق الأمر بمرضى يعانون الأمرّين في سبيل الحصول على العلاج أو يواجهون صعوبة في فتح ملفاتهم أو يعجزون عن تحمل التكاليف الأولية بسبب الإجراءات البيروقراطية ومع أن الدولة أعزها الله لم تُقصِّر ولم تدخر وسعاً في خدمة المواطنين والمقيمين ولا سيما المرضى إلا أن هناك حالات فردية تبقى بحاجة إلى من يتابعها ويسعى في إنهاء إجراءاتها ويقف معها حتى تتجاوز محنتها وكذلك لا نكاد نجد أصحاب الوجاهات والمؤثرين إلا في المناسبات والمجالس التي لا تنتهي بينما إذا ارتفع صوت خافت لمريض أو محتاج أو حاول أحد أن يتحدث عن معاناته سارع البعض إلى إسكات ذلك الصوت بقولهم ” ما عليهم خلاف وأمورهم طيبة “وكأن معاناة الناس المغمورين لا تستحق الالتفات لأنهم ليسوا من أهل الشهرة أو الوجاهة أو الحضور الاجتماعي ولا يقتصر الأمر على المرضى بل يمتد إلى أصحاب الظروف الخاصة والمتعففين الذين أنهكتهم الحاجة من الأرامل والأيتام والمساكين ومن ضاقت بهم سبل الحياة هؤلاء أيضاً أولى بالبحث عنهم والسؤال عن أحوالهم وقضاء حوائجهم قبل الانشغال بما يحقق الظهور أو يلفت الأنظار.
ومن هنا أرى أن من أجمل المبادرات التي يمكن أن يتبناها شيخ القبيلة بالتعاون مع وجهائها وأهل الرأي فيها أن يدعو إلى تأسيس جمعية أهلية خيرية مرخصة نظاماً تُعنى بخدمة أفراد القبيلة الأشد احتياجاً وفق الأنظمة والتعليمات المعمول بها في المملكة وبما ينسجم مع مستهدفات القطاع غير الربحي ورؤية المملكة 2030 وتكون للجمعية لائحة تنظيمية واضحة وأهداف محددة ومعايير عادلة وشفافة للاستحقاق بعيداً عن المجاملات أو الاعتبارات الشخصية بحيث تُعنى بمساعدة المرضى والفقراء والأرامل والأيتام وأصحاب الظروف الخاصة وكل من ألمّت به حاجة.
ولتعزيز مكانة الجمعية وحضورها المجتمعي يمكن أن يكون لها راعٍ فخري أو داعم استراتيجي من الشخصيات الاعتبارية ذات المكانة المجتمعية كأحد رجال الأعمال المقتدرين أو صاحب السمو أمير المنطقة أو سمو نائبه في حال الموافقة والرعاية الرسمية أو غيرهم من الشخصيات الداعمة للعمل الخيري ويكون دور الراعي الفخري أو الداعم الاستراتيجي دعم الجمعية معنوياً وتعزيز حضورها والإسهام في بناء الشراكات واستقطاب الداعمين دون التدخل في إدارتها التنفيذية حتى تبقى الجمعية مؤسسة مستقلة تعمل وفق أنظمتها ولوائحها ومعايير الحوكمة.
أما الإدارة فينبغي أن تُسند إلى كوادر متخصصة في القطاع غير الربحي من خلال تعيين مدير تنفيذي ذي خبرة في إدارة الجمعيات والعمل غير الربحي ومدير مالي مؤهل في المحاسبة وإدارة الموارد المالية للجمعيات ومستشار قانوني أو مختص بالأنظمة واللوائح المنظمة للعمل الأهلي مع التعاقد مع مكتب محاسبة قانوني معتمد لمراجعة الحسابات وإصدار التقارير المالية الدورية فوجود هذه الكفاءات يرفع مستوى الحوكمة والامتثال ويعزز الشفافية ويزيد من ثقة المتبرعين والجهات الداعمة والجهات الرقابية ويضمن أن تدار أموال الجمعية وفق أعلى درجات المهنية وأن تصل التبرعات والمساعدات إلى مستحقيها بعيداً عن الاجتهادات الفردية.
كما أرى ألا تعتمد الجمعية على مصدر واحد للتمويل بل تنوع مصادر دخلها بين مساهمات رجال الأعمال وميسوري الحال من أبناء القبيلة وغيرها والتبرعات والأوقاف إن أمكن والشراكات مع الجمعيات الخيرية الأخرى والاستفادة وفق الضوابط النظامية من منصة إحسان بعد استيفاء متطلبات الشراكة وكذلك من برامج صندوق دعم الجمعيات وغيرها من المبادرات الحكومية والخيرية المتاحة للجمعيات المرخصة كما يمكن للجمعية أن تنسق مع الجهات الحكومية ذات العلاقة بحيث يستفيد المستحقون من برامج الضمان الاجتماعي وغيرها من برامج الدعم الرسمية مع متابعة الحالات واستكمال الإجراءات والتأكد من حصولها على حقوقها النظامية دون أن يكون ذلك بديلاً عن دور الجهات الحكومية وإنما مكملاً له وسنداً للمستفيد في الوصول إلى ما يستحقه.
ولا ينبغي أن يقتصر دور الجمعية على تقديم المساعدات المالية بل يتجاوز ذلك إلى دراسة الحالات ميدانياً وزيارة الأسر المحتاجة ومتابعة المرضى والسعي في تسهيل إجراءات علاجهم والمساهمة في توفير ما يحتاجونه وفق الضوابط إضافة إلى متابعة السلال الغذائية والتأكد من جودتها وكفايتها ووصولها إلى الأسر المستحقة بما يحفظ كرامة المحتاج ويضمن أن تكون المساعدة ذات أثر حقيقي وفي ظني أن أبواب الأجر في هذه الأعمال متقاربة ومتداخلة فإحياء نفسٍ بالعلاج أو تفريج كربة فقير أو إعانة أرملة أو كفالة يتيم أو قضاء حاجة محتاج كلها من أعظم القربات وكلها تدخل في باب الإحسان الذي حث عليه ديننا الحنيف.
فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح أليس هؤلاء أولى بالوقوف معهم أليس الأولى أن تُسخَّر الوجاهات وتُستثمر العلاقات وتُبذل الجهود في نصرة الضعفاء قبل أن تُصرف في القضايا التي تجد من يتبناها ويتحدث عنها ،، لماذا لا ننتقل من ردود الأفعال والمبادرات الفردية والموسمية إلى عمل مؤسسي مستدام يبحث عن المحتاج قبل أن يطلب ويتابع المريض قبل أن يستغيث ويعرف أحوال الأسر المتعففة دون أن تضطر إلى كشف حاجتها للناس هذه رؤية قابلة للنقاش والتطوير لكنها في جوهرها دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات وأن يكون حضورنا حيث تكون الحاجة أعظم والأثر أبقى والأجر بإذن الله أعظم فخير الوجاهة أن تُسخَّر لقضاء حاجة وخير العلاقات أن تُستثمر في تفريج كربة وخير المال ما وصل إلى محتاج دون أن يُهدر كرامته. وهؤلاء في ظني أولى بكل ذلك.بقلم / عائض الشعلاني
بقلم _ عائض الشعلاني
أضواء الوطن
- منذ أسبوعين
- 5853
شاركها
-
من أبرهة والقرامطة إلى الحوثيين … خبتم وخسئتممنذ 6 ساعات
-
من أصحاب الفيل إلى المسيّرة تبقى العبرةمنذ 15 ساعة
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
أخبار المجتمع














