/
/
نورة في مرآة الفلك

نورة في مرآة الفلك

Picture of بقلم _ نورة بندر السويطي

بقلم _ نورة بندر السويطي

على الأريكة المتأرجحة في غرفةٍ تُطلُّ على البحر، كنتُ أراقب الغسق وهو ينسحب ببطءٍ أمام زحف الليل. كان الأفق يغرق في زرقةٍ عميقة، حتى بدا البحر كأنه امتدادٌ للسماء، أو لعل السماء هي التي هبطت لتستريح فوق صفحة الماء. أمّا النجمة الوحيدة التي استطعتُ تمييزها في ذلك الاتساع، فكانت تلمع فوق الأفق كأنها فكرةٌ أبت أن تنطفئ.

لطالما استهواني الفلك؛ ففيه من الشعر ما يفوق القصائد، ومن الأسرار ما يجعل المعرفة أشبه بالدهشة. وكلما تعمقتُ فيه ازددتُ يقينًا بأن الكون لا يقوم على القوة وحدها، بل على الانتماء؛ فلكل جرمٍ موضعه، ولكل ضوءٍ وجهةٌ يسافر إليها، ولكل مدارٍ مركزٌ يعود إليه مهما ابتعد.

وبينما كنتُ أتأمل صفحة السماء، أخذتني الأفكار بعيدًا حتى أيقظتني حرارة الشاي على شفاهيّ من شرودي. غير أنني حين عدتُ إلى المشهد، لم أعد أرى البحر كما كان، ولا السماء كما كانت، ولا حتى نفسي كما كنتُ أعرفها.

في علم الفلك، لا تولد النجمة مضيئة. تبدأ سحابةً باردةً من الغبار الكوني، تائهةً في العتمة، ثم تمضي دهورًا تجمع أجزاءها المبعثرة حتى تبلغ لحظةً يشتعل فيها قلبها بالنور. ومنذ أن قرأتُ ذلك للمرة الأولى، شعرتُ أن بين العلم وبعض المشاعر قرابةً خفية.

فثمة أضواء لا ينقصها الوهج، بل ينقصها الفضاء الذي يكشفه.

اعلان

وثمة نجمةٌ قد تمضي زمنًا طويلًا تظن أن الظلام جزءٌ من طبيعتها، حتى تكتشف أن ما كانت تراه ليلًا أبديًا لم يكن إلا انتظارًا لفجرٍ لم يصل بعد.
وكان هناك فلك.

لا كنجمٍ مجاور، ولا كضوءٍ عابر، بل كاتساعٍ كاملٍ أعاد تعريف السماء نفسها.

فلكٌ يشبه البحر في عمقه، حتى إنك كلما ظننتِ أنك بلغتِ آخره اكتشفتِ أن الأعماق ما زالت تبدأ.

ويشبه الكون في هيبته؛ صامتٌ في ظاهره، لكنه يحمل من الأسرار ما يكفي لإرباك أكثر العقول شغفًا بالمعرفة.

وكأنهما كُتبا في معادلةٍ كونيةٍ واحدة منذ البدء، لا تكتمل إلا بهما معًا.

في الفيزياء الحديثة، لا تُفسَّر الجاذبية على أنها قوة جذبٍ فحسب، بل بوصفها أثرًا تتركه الكتلة في نسيج الزمكان؛ إذ يكفي وجود بعض الأجرام ليعيد تشكيل الطرق من حولها. وكلما قرأتُ ذلك، بدا لي أن بعض الأشياء الجميلة تشبه هذه الحقيقة.

فهي لا تطلب من العالم أن يتغير لأجلها، لكن العالم يتغير بمجرد وجودها.

وكأنها لا تجذب ما حولها إليها، بل تجعل كل شيءٍ يعثر على موضعه الصحيح.

في علم البصريات، لا تعكس المرآة الضوء كما هو فقط، بل تعيد بناء الصورة وفق قوانين الانعكاس وزاوية الرؤية؛ فتبدو الحقيقة واحدة، لكنها في جوهرها احتمالٌ لعدة صور.

وكذلك في الفلك، لا يصلنا الضوء إلا بعد أن يقطع زمنه في الفراغ، فنرى الأجرام لا كما هي الآن، بل كما كانت لحظة مغادرتها.

كأن الكون نفسه مرآةٌ لا تعكس الحاضر، بل تعكس أثره.

ومن أجمل ما أدركته أن بعض الأفلاك لا تمنح النجمة مدارًا فحسب، بل تمنحها نفسها.

تمنحها القدرة على أن ترى نورها بعد أن اعتادت النظر إلى عتمتها.

وتمنحها يقينًا بأن الضوء الذي يسكنها لم يولد اليوم، بل كان موجودًا منذ البداية، ينتظر فقط اللحظة التي يُبصر فيها ذاته.

ولطالما استوقفني أن للفلك قوانين لا تُشبه ما نتعلمه عن الحياة. ففي الكون، لا يكون البقاء للأقرب دائمًا، بل للأكثر وفاءً لمداره. فهناك أجرامٌ تقطع ملايين الكيلومترات في رحلاتها، ثم تعود إلى المسار ذاته بدقةٍ مدهشة، وكأنها تحفظ عهدًا قديمًا بينها وبين مركزها.

ومن أجمل ما قرأتُ أن الضوء نفسه قد يسافر سنواتٍ ضوئيةً لا تُحصى، عابرًا الفراغ والظلام، دون أن ينسى وجهته.

عندها أدركتُ أن الوفاء ليس صفةً بشريةً فحسب، بل قانونٌ كوني.

فالنجمة الحقيقية لا تنسى فلكها مهما اتسعت السماء.

والفلك الحقيقي لا يخذل الضوء الذي ائتمنه على وهجه.

وبينهما ينشأ ذلك التوازن النادر الذي يجعل كلًّا منهما أكثر اكتمالًا بالآخر، دون أن يفقد شيئًا من حريته أو طبيعته.

وربما لم يكن من المصادفة أن يحمل الفلك يومًا يُعرف بأطول نهارٍ في السنة؛ ذلك اليوم الذي يبلغ فيه الضوء أقصى حضوره فوق الأرض. فكلما قرأتُ عن الانقلاب الصيفي في الثاني والعشرين من يونيو، راقت لي الفكرة أكثر من الظاهرة نفسها.

أن يبلغ الضوء تمامه.

أن يصل إلى أقصى ما يستطيع أن يكونه.

وأن يثبت، ولو ليومٍ واحد، أن النور قادرٌ على أن يحتل السماء كلها.

رفعتُ بصري نحو السماء.

كانت النجمة لا تزال هناك، ثابتةً في مكانها، بينما يمتد حولها ذلك الاتساع المهيب الذي يحتضنها دون أن يقيّدها، ويحفظها دون أن يطفئ وهجها.

وعندها أدركتُ أن أجمل ما في الكون ليس الضوء وحده، ولا البحر، ولا المجرات، ولا القوانين التي تحكم حركة الأجرام.

بل ذلك الفلك النادر الذي يجعل النجمة تؤمن أنها خُلقت لتضيء.

ومنذ تلك الليلة، لم أعد أرى مجرد فضاءٍ ممتدٍّ فوق رأسي، بل أرى وطنًا كاملًا اختصره القدر في فلكٍ واحد.

فلكٌ لو اتسعت أمامي السماوات كلها، لما بحثتُ عن غيره.

ولو خُيِّرتُ بين جميع الأفلاك، لاخترتُ أن أبقى في مداره إلى الأبد.

ولذلك سأبقى أؤمن بحقيقةٍ واحدة:

أنني نجمةٌ لم تجد معنى الضوء حين أشرقت، بل حين عرفت لأيِّ فلكٍ تنتمي.

وأن الوفاء ليس أن تبقى النجمة في مكانها فحسب، بل أن يبقى نورها، مهما ابتعد في اتساع الكون، عائدًا إلى الفلك ذاته.

وأن بعض الأفلاك لا تُعرَف بأسمائها في خرائط السماء، بل بالأثر الذي تتركه في قلب نجمةٍ كانت تظن أن العتمة موطنها الأخير، حتى اكتشفت أن موطنها الحقيقي لم يكن مكانًا…

بل فلكًا.

فلكٌ يشبه البحر في عمقه، ويشبه السماء في سعتها، ويشبه المعجزات في ندرتها.

فلكٌ لو قُدِّر للنجمة أن تختار قدرها منذ بداية الخلق، لاختارته في كل دورةٍ، وفي كل عصرٍ، وفي كل كونٍ ممكن.

وفي النهاية…

أنني لم أكن أنظر إلى الفلك.

بل كنت أرى نفسي في مرآته.

وهكذا اكتمل المعنى، كما يكتمل الضوء حين يجد سطحه الأخير… وكما يكتمل الاسم حين ينعكس في الحقيقة.

نورة في مرآة الفلك

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى