تعيش الساحة الأدبية والثقافية في المملكة العربية السعودية مرحلة وعي ونضج نقدية غير مسبوقة، تتجاوز الانطباعات الذاتية السريعة والمجاملات التي رافقت الشعر النبطي لسنوات طويلة، لتصل به إلى مصاف المناهج العلمية الدقيقة والتحليل العروضي الرصين. وفي قلب هذا التحول المؤسس لتاريخنا الأدبي المعاصر، يبرز اسم الشاعر والباحث العروضي محسن المقاطي العتيبي كأحد أهم القامات التي جمعت بين ملكة الشعر والتأسيس العلمي لعلوم الوزن والإيقاع؛ إذ استطاع عبر أبحاثه الميدانية وظهوره الإعلامي وورشه التدريبية تفكيك البنية الموسيقية للقصيدة النبطية وتبسيط معضلاتها العروضية للجيل الجديد.
وفي هذا الحوار الاستثنائي لـ “أضواء الوطن”، نغوص مع ضيفنا في رحلته بدءاً من شغف البدايات الشاعرية، مروراً بمنهجه النقدي الصارم الذي يشبه “التحقيق الجنائي” في تتبع الأثر الأدبي وفحص أوزان النصوص، ووصولاً إلى تشخيصه لأبرز أخطاء الشعراء المبتدئين ودور وسائل الإعلام والمنصات الرقمية في نشر الوعي العروضي الشامل.
س: كيف كانت بداياتكم الشعرية، وكيف انطلقتم من مجرد كتابة البيت إلى الغوص في عمق التحليل العروضي والنقدي؟
ج: بداياتي كانت كأي شاعر ينساق خلف العاطفة والشغف، لكنني سرعان ما أدركت أن الموهبة وحدها لا تكفي لصناعة شاعر حقيقي.
كان يسكنني فضول معرفي دائم: “لماذا نطرب لبيت شعر وينفر أذنَنا بيت آخر رغم تماثل الفكرة؟”، وهذا التساؤل هو ما دفعني لدراسة العروض النبطي وتفكيك بحوره. الانتقال من كتابة النص إلى مقعد الناقد لم يكن تحولاً بقدر ما كان مكاشفة وعياً؛ فالشاعر الذي يفهم أدوات النقد يملك الحصانة لنصّه أولاً، ثم القدرة على خدمة موروثه وتوجيه الساحة ثانياً.
س: انطلاقاً من هذه التجربة، كيف تقيّمون واقع النقد الذي رافق الشعر النبطي عقوداً، وما الذي تحتاجه مرحلة التجديد اليوم؟
ج: النقد النبطي لسنوات طويلة ظل أسيراً للمجاملات والآراء الذوقية السطحية، مما حرم هذا الفن الأصيل من أطر التحليل العلمية. القصيدة ليست مجرد فكرة ومشاعر، بل هي بنية متكاملة يتلاحم فيها الوزن بالموسيقى والصورة واللفظ. ما نحتاجه اليوم—وهو ما أعمل عليه—هو إخضاع النص المعاصِر لمعايير منهجية واضحة تعيد الاعتبار لوزنه وبنائه الفني، بعيداً عن المصطلحات المستهلكة أو مجاملة الشاعر على حساب النص.
س: يعتمد منهجكم النقدي على آلية دقيقة تشبه “التحقيق الجنائي”؛ كيف تطبقون ذلك عملياً في تفكيك الوزن والنغم؟
ج: المنهج يقوم على تشريح البيت وتتبع حركة كلماته وتفعيلاته بدقة، لضبط أي اختلال نغمي أو أوزان هجينة تخالف الأصول المتوارثة. الأمر لا يتوقف عند وزن البيت، بل يتعداه إلى “تقفي الأثر الأدبي”؛ أي تتبع الدلائل الأسلوبية، وفحص الصور البلاغية، والتأكد من صحة الشواهد والنصوص، لتمييز الشعر الأصيل النابع من تجربة حقيقية عن الشعر المتكلف أو المنقول. هذا الأسلوب يعطي النقد قوة الدليل والبرهان بدلاً من إطلاق أحكام مرسلة لا ترتكز على سبب علمي.
س: يُعرف عنكم الوضوح والصرامة الشديدة في نقدكم، ألا تخشون أن يتسبب هذا الحزم في إحباط الشعراء المبتدئين؟
ج: الصرامة النقدية ليست قسوة ولا عداءً، بل هي احترام لعقل القارئ وللتاريخ الأدبي. المجاملة في النقد هي السبب الرئيس في إغراق الساحة بنصوص هشّة وإعطاء أوهام للشاعر بجمال قصيدته. النقد المباشر والمبني على دليل علمي هو أصدق خدمة يقدمها الناقد للموهبة الشابة؛ لأنه يضعه أمام مستواه الحقيقي ويختصر عليه سنوات من التخبط. المحبة الحقيقية للشاعر المبتدئ هي بأخذ يده نحو الاتقان، لا بالتصفيق لكسره العروضي أو ضعفه اللغوي.
س: من خلال احتكاككم بالمبتدئين في ورش العمل والندوات، وكذلك في اللقاءات الإعلامية كبرنامج “صباح السعودية”، ما أبرز الأخطاء النقدية التي تتكرر في قصائدهم؟
ج: ألمس دائماً تعثراً ينحصر في ثلاث نقاط جوهرية:
الخلط الإيقاعي بين البحور: يسحب الشاعر تفعيلة من بحر ليدمجها في بحر آخر دون علم، خصوصاً في البحور المتشابهة.
استهلاك الصور والاتكاء على المباشرة: تكرار المفردات والخيالات القديمة دون محاولة ابتكار بصمة خاصة.
التضحية بالمعنى لأجل القافية: فتخرج الأبيات الأخيرة متكلفة ومقحمة لمجرد إكمال القافية، وهو ما يُعرف بالاستدعاء المعجمي المجبَر.
س: كيف استطعتم تبسيط هذه المفاهيم العروضية المعقدة لنقلها من أروقة الكتب الأكاديمية إلى الجمهور والمهتمين؟
ج: حرصنا على ألا يظل هذا المشروع حبيس الأوراق والدراسات النظرية، فنقلناه إلى الميدان عبر ورش عمل وندوات تدريبية تركز على “صناعة المحتوى الشعري” وصقل الذائقة. كما أتاح لنا الظهور الإعلامي تقديم قواعد العروض والوزن لجمهور المتابعين بأسلوب سلس ومفهوم، يجمع بين البساطة في الطرح والدقة في المعالجة العلمية.
س: هل أسهمت منصات التواصل الاجتماعي في إيصال هذه الرسالة وتسهيل التفاعل مع المتابعين؟
ج: بلا شك، وسائل التواصل الاجتماعي اختصرت المسافات وألغت الفجوة بين الناقد والمتلقي. أتاحت لي هذه المنصات تحويل المسائل العروضية المعقدة إلى مقاطع ومحتوى رقمي مكثف وسهل الاستيعاب. اللقاء اليوم مع الجمهور لم يعد موسمياً، بل أصبحت المنصة بمثابة “مختبر نقدي حي” نناقش فيه الشواهد الشعرية بشكل مباشر ومستمر، مما وسّع قاعدة المهتمين بالتأصيل العروضي.
س: ألا تعتقدون أن اهتمام وسائل الإعلام بالطرح الذي تقدمونه يعكس تحولاً نحو المنهجية العلمية في التعاطي مع الشعر النبطي؟
ج: نعم، الإعلام الواعي والجمهور اليوم أدركا أن ذائقة المتابع أصبحت أكثر وعياً ونقداً، ولم يعد يستهويهم الطرح السطحي. اهتمام الوسائل الإعلامية بالدراسات العروضية والنقدية يرجع إلى إدراكهم لقيمة المنهج العلمي الذي يثري الساحة؛ فالإعلام يبحث دائماً عن المحتوى الرصين الذي يبني الفكر ويخدم الثقافة الوطنية.
وفي ختام هذا الحوار الشائق والمثمر، لا يسعنا إلا أن نتقدم بجزيل الشكر والتقدير للباحث والشاعر محسن المقاطي العتيبي؛ لما تفضل به من طرح علمي رصين وإضاءات نقدية قيمة أثرت هذا اللقاء، متمنين له دوام التوفيق والنجاح في مسيرته الأدبية ومكاسبه في المشروع النقدي للتأصيل العروضي للشعر النبطي.














