/
/
وهم الألقاب الفضفاضة

وهم الألقاب الفضفاضة

Picture of بقلم _ محمد سعد ال ماضي

بقلم _ محمد سعد ال ماضي

تشكل السلوكيات المجتمعية المتوارثة إطارا حيويا لثقافة الشعوب، غير أن بعض هذه السلوكيات قد ينحرف عن مساره الإيجابي ليتحول إلى ظاهرة سلبية تعيق حركة التقدم المعرفي. ومن هذه الظواهر الشاخصة اليوم، ما نشهده في العديد من المناسبات الاجتماعية -لا سيما حفلات الزواج- من إغراق في مديح الأفراد، ومنحهم ألقابا فضفاضة تفوق حجم منجزاتهم الحقيقية على أرض الواقع. إن هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، ولا يمكن حصرها في نطاق ضيق؛ بل هي سلوك ممتد ومتجذر جغرافيا واجتماعيا، يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة في المجتمع السعودي، عابرا كافة مناطق المملكة ومحافظاتها والمراكز التابعة لها، حيث تحولت هذه المنصات التي وجدت أصلا لتعزيز أواصر الترابط الإنساني، إلى منابر للمبالغة والإطراء اللامبرر، وهدر الطاقات والأوقات في سياقات لا تخدم التنمية البشرية.
وتكمن الخطورة الحقيقية لهذه الظاهرة في صناعة “الوعي الزائف” لدى الجيل الناشئ؛ فالشاب حين ينشأ في بيئة تمنح التقدير والتبجيل بناء على اعتبارات شكلية وقصائد مديح وتصفيق مستمر، يرتكس لديه مفهوم الإنجاز الحقيقي، في حين أن المجتمعات الحية والدول المتقدمة لا تبنى بكثرة الثناء أو باستعراض الألقاب، وإنما تتقدم بالفكر الناقد، والمعرفة الرصينة، والإنتاج العلمي والعملي. وما زاد الطين بلة في العصر الراهن، هو دخول قنوات التواصل الاجتماعي على خط الأزمة، إذ أسهمت بعض هذه المنصات، عبر مجموعة من المؤثرين والناشطين، في تقنين هذه السلوكيات ونشرها على نطاق أوسع تحت ما يعرف بـ “التطبيل الرقمي”، حيث يتم تضخيم هذه المناسبات وإبرازها كمعايير للمكانة الاجتماعية، مما يخلق ضغطا نفسيا وماديا على أفراد المجتمع لمجاراة هذا البهرج الزائف، ويسهم في تغييب القضايا الجوهرية التي تهم الشباب في مقتبل حياتهم.
إن هذا الواقع يفرض علينا مسؤولية وطنية وأكاديمية تحتم إحداث نقلة نوعية في كيفية إدارة هذه التجمعات البشرية الهائلة، فالشاب الذي يخطو أولى خطواته نحو بناء أسرة ومواجهة متطلبات الحياة المعاصرة، أحوج ما يكون إلى التوجيه والتمكين المعرفي بدلا من إغراقه في بحور المدح المستهلك. ولو استقطع القائمون على هذه المناسبات عشر دقائق فقط من وقت الحفل، ووجهت لصالح توعية الشباب، لكان الأثر أعمق وأبقى من ساعات الطرب والتصفيق، إذ إن هذه الدقائق المعدودة كافية لفتح آفاق فكرية جديدة، من خلال الحديث معهم في محاور استراتيجية تمس واقعهم ومستقبلهم؛ كإدارة المال والمسؤولية عبر تثقيفهم بآليات التخطيط المالي والادخار وتجنب القروض الاستهلاكية، وتحفيز عقولهم نحو التفكير وبناء المستقبل بالتركيز على الابتكار والريادة، فضلا عن رفع وعيهم بالصحة العامة والنفسية لتأسيس أسرة قائمة على التفاهم والاستقرار.
ولأجل ترجمة هذا البديل المعرفي إلى واقع ملموس والقضاء على هذه الظاهرة، لا بد من استراتيجية واضحة تتضافر فيها جهود مؤسسات المجتمع الفاعلة بناء على أدوار تتكامل فيما بينها. ويبدأ هذا التكامل من المنابر الدعوية ورجال الدين، حيث يقع على عاتق أئمة وخطباء المساجد دور محوري في توجيه النصيحة والإرشاد، وتوظيف خطب الجمعة والدروس لتفكيك هذه العادات وبيان أثر المبالغة في المدح على الفرد والمجتمع كخط دفاع أول. ويتزامن ذلك مع دور الإعلاميين وصناع المحتوى والناشطين في قنوات التواصل الاجتماعي، من خلال تبني رسالة إعلامية هادفة تستهجن ثقافة التطبيل والمبالغات، والعمل بدلا من ذلك على صناعة محتوى يعلي من شأن المنجز الثقافي والعلمي ويبرز النماذج الشبابية الناجحة. ويمتد هذا الجهد التكاملي ليصل إلى مشايخ القبائل والوجهاء الذين يمتلكون سلطة معنوية واجتماعية بالغة الأثر في مختلف مناطق المملكة، حيث يمكنهم قيادة هذا التغيير عبر سن وثائق ومواثيق مجتمعية ضابطة للمناسبات تمنع الألقاب الفضفاضة، وتشجع في المقابل على استثمار وقت الحفل في فقرات ثقافية وتوعوية نافعة تخدم أبناء المجتمع وتدفع بهم نحو جادة الفكر والمعرفة.
وتأسيسا على ما تقدم من رصد وتحليل، نخلص في خاتمة هذا المقال إلى جملة من المرئيات والتوصيات الاستراتيجية الشاملة القابلة للتطبيق، والتي نرى ضرورة تفعيلها لتقويم هذا السلوك المجتمعي؛ حيث يتوجب على وزارة الشؤون الإسلامية من خلال منابرها الدعوية تخصيص خطب دورية تعنى بحفظ الأوقات في المناسبات والتحذير من المدايح الزائفة، مما يعزز الوازع الأخلاقي والشرعي نحو ترشيد السلوك الاجتماعي. بالتوازي مع ذلك، ينبغي لوزارة الإعلام والناشطين إطلاق حملات رقمية مضادة لثقافة التطبيل وتوجيه منصات التواصل لدعم المحتوى المعرفي والشبابي، لإعادة صياغة الرأي العام الافتراضي نحو القضايا الجوهرية. وفي البعد الاجتماعي، يبرز دور مشايخ القبائل والأعيان في إبرام اتفاقيات ومواثيق قبلية ملزمة تضع حدا للمبالغات الشفوية وتخصص وقتا ثابتا للتوعية، مما يضمن ضبط الأعراف وتوجيه القوة الأدبية نحو البناء المعرفي. وأخيرا، يقع الرهان على وعي المجتمع والشباب أنفسهم في استثمار هذه اللقاءات لتقديم فقرات نوعية مدتها عشر دقائق تعنى بالوعي المالي والفكري والصحي، وبذلك تتحول حفلات الزواج من طابع استهلاكي بحت إلى منصات حقيقية للتمكين المعرفي وبناء المستقبل.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى