حين تتجلى جلالةُ الكلمة أمام هيبة المَقام، ترتجفُ المحابرُ خَشيةً وإجلالاً. نحن لا نكتبُ اليوم بمدادِ الحبر، بل بنبضِ المَقادِس، ودموعِ الأشواق، وأنّاتِ الغَيْرةِ على مَهْبِطِ الوحي وقِبلةِ الدنيا.
هنالك، حيثُ تلتفُّ الأرواحُ حول الكعبةِ المشرفة كالفراشِ حول النور، وتغتسلُ القلوبُ من درنِ الوجود في حِياضِ المسجد الحرام، تَقِفُ لغةُ الأرض عاجزةً عن مَدْحِ ما رَفَعَ اللهُ ذِكْرَه، وعَظَّمَ شَأنَه، وجَعَلَه مَثابةً للناسِ وأَمْناً.
ألا يا كعبةَ الرحمن، يا سُرّةَ الأرض ونُقطةَ بَيكارِ الوجود، إليكِ تحِنُّ مَفاصلُ البسيطة، وصَوْبكِ تَشرئبُّ أعناقُ الملايين في كلِّ ركعةٍ وسجدة. في طَوافكِ تَمَّحي الفوارق، وتحت مَيزابكِ تسكُبُ الإنسانيةُ شجونَها، وفي بَطْحَاءِ مكّةَ وعَرَصَاتِ المَشاعرِ المقدسة تُولَدُ النفوسُ من جَديد. هذا الحِمى الطاهر، الذي حَرَّمَهُ اللهُ يومَ خَلَقَ السماوات والأرض، لا يَدْخُلُه قاصِدٌ إلا مُلبِّياً باسطاً كَفَّ الضَّراعة، خالعاً كبرياءَ الدنيا على عتباتِ السَّلام.
بَيْدَ أنَّ في عَتْمَةِ التاريخِ وفي زوايا الغَدْرِ المظلمة، نَبَتَتْ نَبْتَةُ سُوءٍ لا تَرْقُبُ في مُقدَّسٍ إِلاًّ ولا ذِمَّة. فبينما كانت قوافلُ الإيمان تَؤُمُّ البيتَ العتيق، أَبَتْ مَطامعُ المارقين وعقائدُ الحِقْدِ إلا أنْ تُصوِّبَ سِهَامَها الغادرة نحو قِبلةِ المسلمين.
هنا يَتَعرَّى الحوثيُّ في مِرآةِ الحقيقة…. جماعةٌ انسلختْ من هُوِيَّتِها العربية، وتبرّأت| من جِوارِها الإسلامي، لِتَغْدُوَ مِعْولَ هَدْمٍ بأيدي قِوىً إقليميةٍ لا تُضْمِرُ للمقدساتِ إلا الغِلَّ والخراب.
أيُّ جُرأةٍ فاجرةٍ هذه التي تدفعُ يداً أَثِمَةً لتُوجِّهَ صواريخَ الموت ومَسيَّراتِ الحِقْدِ صَوْبَ أطهرِ بقاع الأرض؟ أيُّ رانٍ غَشِيَ تلك القلوب فاستباحت| حُرْمةَ الشَّهرِ الحرام، والبلدِ الحرام، والمسجدِ الحرام؟ إنَّها نفوسٌ شَرِقَت| بنورِ التوحيد، وعَمِيَتْ عن جلالِ المَقام، فَظَنَّتْ – واهِمةً – أنَّ صواريخَ الخيانةِ يمكنُ أنْ تَنالَ من حِمىً تَكفَّلَ ربُّ العزّةِ بحِفظِه صراحةً في مُحكمِ التنزيل… (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ).
لكنَّ اللهَ، الذي جَعَلَ هذا البيتَ آمِناً، قَيَّضَ لهُ رِجالاً نَذَروا أرواحَهم لحِمايته، فكانت المملكةُ العربيةُ السعوديةُ – قيادةً وشعباً وجيشاً – هي الدِّرعُ الحصين والسَّدُّ المَنيع. إنَّ السَّعُوديَّةَ اليوم ليستْ مجردَ جغرافيةٍ سياسية، بل هي حارسةُ العقيدة، وسادنةُ الحَرَمين، وبَيْتُ العَرَبِ الأكبر. لقد وَقَفَتْ دفاعاتُها الجويَّةُ الباسلةُ بالمرصادِ لكلِّ مَسْعىً خبيث، فتساقطتْ صواريخُ الإرهاب الحوثي شَهَبَاً مُحترقةً في الفضاء [حادثة_إطلاق_الحوثيين_صاروخ_باليستي_باتجاه_مكة_المكرمة_2016]، كأنّما التاريخُ يُعيدُ صِياغةَ مَلْحَمَةِ “أصحاب الفيل” بِلُغَةِ العصر، ليظلَّ الحَرَمُ طاهراً، مَهيباً، وعصيَّاً على دَنَسِ المارقين.
إنَّ تِلْكَ المحاولات الحوثيَّة الآثمة لم تَكُنْ مجردَ اعتداءٍ عسكري عابر، بل كانتْ مَذْبَحَةً لِكُلِّ قِيمِ الإسلام، وفَضِيحةً علنيةً لِكُلِّ شِعاراتِ الموتِ والزَّيْفِ التي يَتَدَثَّرونَ بها.
لقد رَأى العالَمُ أجمعُ كيف تَتَحَوَّلُ تلك الجماعةُ إلى خَنْجَرٍ مَسمومٍ في خَاصِرَةِ الأمَّة، لا تَقِيمُ وَزْناً لمشاعرِ مِليارَيْ مسلمٍ يَتَّجِهُونَ بِقُلُوبِهِمْ نَحْوَ مَكَّةَ خَمْسَ مَرَّاتٍ في اليوم.
يا كعبةَ الرَّحمن، سَتَبْقَيْنَ شَامِخَةً، تَغْسِلِينَ بَياضَ أَسْتَارِكِ بِأَدْعِيَةِ الصَّالِحين، وَتَمْحِينَ بِنُورِ جَلالِكِ خَفَافِيشَ الظَّلام. وَسَتَبْقَى المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ المَعْقِلَ الأَشَمَّ لِلْإِسْلامِ وَأَهْلِه، وَسَيَذْهَبُ أَعْدَاءُ البيتِ والحَرَمِ إلَى مَزَابِلِ التَّارِخِ، تَلاحَقُهُمْ لَعَنَاتُ الأَرْضِ وَغَضَبُ السَّمَاءِ، فَمَنْ حَارَبَ اللهَ في بَيْتِهِ.. كَانَ هَلاكُهُ مَحْتُومَاً وَخُسْرَانُهُ مُبِينَاً.













