/
/
علامة الجزيرة ورائد التحقيق العلامة حمد الجاسر

علامة الجزيرة ورائد التحقيق العلامة حمد الجاسر

Picture of بقلم _ الأديب والمؤرخ سيد الرشيدي

بقلم _ الأديب والمؤرخ سيد الرشيدي

حين نغوص في دياجير التاريخ العربي ونتلمس أثر الجذور والأنساب، نجد أنفسنا أمام قامات فكرية شامخة استطاعت بعزيمة لا تلين أن تحفظ للجزيرة العربية ذاكرتها وعمقها الحضاري. ويقف العلامة الموسوعي الشيخ حمد الجاسر في طليعة هؤلاء الكبار؛ فهو لم يكن مجرد ناقل للأخبار أو جامع للروايات التراثية، بل كان مؤسساً لِمدرسة علمية ودقيقة في دراسة تاريخ الجزيرة العربية، وجغرافيتها، وأنساب قبائلها، فاستحق عن جدارة لقب “ذاكرة الجزيرة العربية” الحية.
لقد طالعتُ مسيرة هذا العالم الجليل وتأملتُ آثاره العميقة طويلاً، فوجدتُ نفسي أسير على خطاه واستلهم منه المنهج والرؤية، في أبحاثي ودراساتي التاريخية عن قبيلة الرشايدة عبس غطفان. فقد كان الجاسر منارةً ومورداً عذباً استقيتُ منه الكثير من المنهجيات والتحليلات الرصينة التي أنارت لي دروب البحث الشائكة وفتحت أمامي آفاق التدقيق والتأصيل
ولد الشيخ حمد الجاسر في قرية البرود بإقليم السر بنجد عام 1328 هـ (1910 م)، ونشأ في بيئة علمية محافظة، حيث بدأ حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والعلوم الشرعية على يد علماء عصره. لم تكن طريقه مفروشة بالورود، بل كانت مسيرته تجسيداً أحيائياً للعصامية الصارمة والصبر على طلب العلم.
انتقل في بداية شبابه إلى الرياض لاستكمال دراسته في المعهد العلمي، ثم تعلم على يد كبار علماء نجد. ولم يقف طموحه عند هذا الحد، بل سافر إلى مكة المكرمة وانضم إلى معهد العلم السعودي، واستمر في نهل المعارف التاريخية واللغوية، ليصنع لنفسه قاعدة معرفية صلبة جمعت بين أصالة المنقول ودقة المعقول.
عَمِلَ الجاسر في مجالات متعددة؛ فاشتغل بالتعليم والقضاء، ثم اتجه إلى الصحافة والطباعة، حيث أسس مجلة “العرب” الشهيرة عام 1386 هـ (1966 م)، والتي أصبحت المنبر البحثي الأول المخصص لتاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها وآدابها. كما أنشأ “دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر”، تاركاً أثراً مؤسسياً لا تمحوه الأيام.
تميّز حمد الجاسر بمنهج فريد صارم في البحث العلمي، بعيداً عن التلفيق، أو التسليم بالمنقولات دون تمحيص، أو الاكتفاء بالنقول العابر.
لقد أقام مشروعيته الفكرية على ركائز أساسية متكاملة تتجلى في:
التحقيق الميداني والجغرافي (الربط بين النص والأرض): لم يكتفِ الجاسر بما حوته بطون الكتب والمخطوطات القديمة، بل كان باحثاً ميدانياً يجوب الفلوات والقفار، ويتتبع المواضع والأماكن بأسمائها القديمة والحديثة. كان يربط الشواهد الشعرية والنصوص التاريخية بالواقع الجغرافي المعاين، مما مكنه من تصحيح مئات الأخطاء الجغرافية والنسبية التي وقع فيها من سبقوه.
النظرة الفاحصة والتدقيق العميق: امتلك الجاسر فكراً ثاقباً ونقداً واعيْاً ومجرداً؛ فلا يأخذ النص مسلّماً به لمجرد قِدَم قائله، بل يزن الروايات بميزان المقارنة والتوثيق، مدققاً في دلالات الألفاظ، وتطور الأسلوب، وتحول أسماء القبائل ومواطنها عبر العصور.
استنطاق المخطوطات وشمولية المصادر: اعتمد على تنقيب أمهات الكتب والتفتيش عن المخطوطات النادرة في مكتبات العالم (من الشرق إلى الغرب)، ودواوين العرب، وكتب المعاجم والأنساب، ليصوغ منها رؤية متكاملة ترفض السطحية وتغوص في جذور الأحداث والتاريخ البشري للجزيرة.
لقد ترك حمد الجاسر إرثاً ضخماً من المعاجم والمؤلفات والتحقيقات النفيسة التي أصبحت مراجع حتمية ولا غنى عنها لأي باحث جاد في تاريخ المنطقة. ومن أبرز آثاره وتحقيقاته: معجم قبائل المملكة العربية السعودية، ومعجم المعالم الجغرافية، إلى جانب تحقيقاته ودراساته الكبرى لنصوص تراثية كبرى مثل تحقيق معجم ما استعجم للإمام أبي عبيد البكري، والتعليقات والنوادر لأبي علي الهجري، وغيرها من أمهات كتب التراث والجغرافيا.

ولم تقتصر مكانته على تخصصه الدقيق في الأنساب والجغرافيا، بل امتدت لتشمل اللغة والتراث والأدب؛ فقد كان موسوعةً تمشي على الأرض، ورجلاً نذر حياته بالكامل لخدمة تاريخ أمتنا، متسلحاً بصبر العلماء وجلد الأوائل.
إنني إذ أتناول سيرة هذا المؤرخ الفذ، أستحضر أثره البالغ والعميق في تكويني البحثي؛ فقد كانت مؤلفاته ودراساته معيناً لا ينضب وميزاناً دقيقاً اعتمدتُ عليه وسرتُ على هديه في أبحاثي التاريخية، ولا سيما في مؤلفاتي وتحقيقاتي الممتدة عن قبيلة الرشايدة من عبس غطفان.
لقد تعلمتُ من الجاسر أن كتابة تاريخ القبائل لا تتأتى بالادعاءات العاطفية أو السرد المرسل، بل تحتاج إلى نفسٍ طويل، وتتبع دقيق للمشارب والبطون، ونقد علمي متزن يربط بين نصوص الأقدمين وواقع الأنساب والمواطن. ولقد وجدتُ في طريقته المدققة والعميقة والمطولة النموذج الأمثل للبحث الرصين الذي لا يخشى الغوص في الأعماق، ولا يكتفي بقشور الأمور.
رحم الله العلامة الشيخ حمد الجاسر؛ فقد غادرنا جسداً، لكنه ترك خلفه ذاكرة أمة لا تموت، ومدرسة منهجية تضيء طريق الأجيال القادمة من الباحثين والمؤرخين.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى