ثمة لحظات صغيرة في حياتنا، تمرّ بنا كل يوم، لكنها تترك في القلب أثراً لا تمحوه الأيام، ولعل أجمل تلك اللحظات، حين أمسك في كل صباح بأيدي حفيداتي الصغيرات، وأرافقهن إلى مدرستهن، أتأمل خطواتهن البريئة، وحقائبهن الوردية التي تكاد تفوق أحجامهن، وأصغي إلى أحاديثهن الصغيرة وأحلامهن الجميلة، فأشعر أن الدنيا بكل ما فيها من جمال تختصرها تلك الأيدي الصغيرة التي تمسك بيدي.
وفي الطريق، وبين خطوة وأخرى، يتسلل إلى قلبي شعور عميق بالامتنان، فأحمد الله أن منحنا وطناً نخرج فيه آمنين مطمئنين، ونرافق فيه فلذات أكبادنا إلى مدارسهم دون خوف، ونودعهم بابتسامة، ونحن على يقين بأنهم، بإذن الله، سيعودون إلى أحضاننا سالمين.
يا لها من نعمة عظيمة، ويا له من شعور لا يعرف قيمته الحقيقية إلا من افتقده!
وأنا أمسك بتلك الأيدي الصغيرة، أشعر أنني لا أرافق حفيداتي إلى مدرستهن فحسب، بل أصحبهن في أولى خطواتهن نحو الحياة، وأحمل في قلبي مسؤولية أن أغرس في نفوسهن معنى الوطن، وأن أعلمهن أن الأرض التي يمشين عليها ليست مجرد طرق ومبانٍ، بل حكاية عزّ، وتاريخ كرامة، وبيت كبير يحتضن أحلامنا وأحلامهن.
أريدهن أن يكبرن وهن يدركن أن الأمن الذي نعيشه ليس أمراً عادياً، وأن الطمأنينة التي تسكن بيوتنا نعمة تستحق أن نسجد لله شكراً عليها، وأن هذا الوطن الذي فتح لهن أبواب العلم، ومنحهن أسباب الحياة الكريمة، يستحق منهن الحب، والوفاء والعمل والإخلاص.
أتأمل براءتهن، وأتساءل في أعماقي: أيّ نعمة أعظم من أن يرى الإنسان أبناءه وأحفاده يكبرون في وطن آمن، مرفوعي الرؤوس، محفوظي الكرامة، تحيط بهم الطمأنينة، وتفتح أمامهم أبواب المستقبل؟
أفلا يستحق هذا الوطن أن نفديه بأرواحنا، ونذود عن حياضه، ونحمي أمنه، ونصون مكتسباته؟
بلى والله، إنه يستحق، فالوطن ليس كلمة نرددها في المناسبات، ولا راية نرفعها في الاحتفالات، بل هو شعور يسكن القلب، ووفاء تترجمه المواقف، وأمانة نورثها لأبنائنا وأحفادنا جيلاً بعد جيل.
وإن من أعظم ما نغرسه في نفوس صغارنا أن حب الوطن لا يكتمل بالكلمات وحدها، بل بالعمل الصادق، والمحافظة على مقدراته، والإخلاص في خدمته، والاعتزاز بهويته وقيمه، والوفاء لقيادته الحكيمة التي تبذل الغالي والنفيس من أجل عزة الوطن ورفعة شعبه.
وفي كل صباح، وأنا أرافق تلك الخطوات الصغيرة، يتجدد في داخلي الامتنان لله، ثم لهذا الوطن الغالي الذي احتضن آباءنا وأجدادنا، ويحتضن اليوم أبناءنا وأحفادنا، ويمنحهم نعمة العيش بعز وكرامة وأمان.
وحين أصل مع حفيداتي إلى باب المدرسة، وأترك أيديهن الصغيرة بعد أن كانت تتشبث بيدي، وأراهن يمضين بخطواتهن البريئة نحو فصولهن، أبقى لحظات أتأملهن حتى يغِبن عن ناظري، ثم أعود وفي قلبي دعاء لا يفارقني: اللهم احفظهن، واحفظ كل طفل على أرض هذا الوطن، وأدم على بلادنا أمنها وعزها واستقرارها.
وأدرك في تلك اللحظة أنني لم أكن أرافق حفيداتي إلى المدرسة فحسب، بل كنت أعيش واحدة من أجمل نعم الله علينا؛ أن نرى أحبتنا يكبرون آمنين في وطن عزيز، وأن نطمئن على غدهم كما اطمأن آباؤنا على غدنا.
وما أجمل أن نورث أبناءنا وأحفادنا وطناً يحبونه كما أحببناه، ويفخرون به كما فخرنا، ويصونونه كما صانه آباؤنا وأجدادنا.
حفظ الله وطننا وقيادته وشعبه، وأدام علينا نعمة الأمن، والأمان، والعز والكرامة.















