في بعض المناسبات العامة، لا يبدأ السباق عند إعلان الجوائز، بل عند فتح أبواب القاعة! فهناك من يدخل المناسبة وعيناه لا تبحثان عن الأصدقاء، ولا عن برنامج الحفل، وإنما عن كراسي الصف الأول، وكأن الوجاهة تُوزَّع بحسب أسبقية الجلوس!
تراه يتجاوز المقاعد الخالية بخطوات الواثق من مكانته، حتى إذا وصل إلى المقاعد المخصصة للوجهاء، بحث عن ثغرة يتسلل منها، فإن وجد كرسيًا شاغرًا استوطنه، وإن أخبره المنظم بأنه محجوز، تغيّر وجهه وكأنهم سحبوا منه منصبًا لا مجرد مقعد! وربما سأله محتجًا: «أنت ما تعرفني؟»، وهو السؤال الذي يخشى سماع إجابته!
وصاحبنا ليس ضيف شرف، ولا مسؤولًا، ولا ممثلًا لجهة، لكنه مقتنع بأن جلوسه في الصفوف الخلفية انتقاص من مكانته التي لم يكتشفها أحد سواه!
وما إن يستقر بجوار أحد الوجهاء، حتى تبدأ مراسم الوجاهة: تعديل الشماغ، تبادل الابتسامات، البحث عن عدسات المصورين؛ فالمهم أن تخرج الصورة بما يوحي بأنه أحد أعمدة المناسبة، ولو لم يعرف عنها سوى موقع انعقادها!
والأعجب أنه قد يغادر الحفل دون أن يعرف موضوعه، لكنه يعرف بدقة من جلس أمامه ومن جلس خلفه!
ختامًا، ليست الوجاهة كرسيًا نتسابق إليه، ولا مكانة نستعيرها ممن نجلس بجوارهم؛ فالكرسي قد يرفع الجالس عن الأرض قليلًا، لكنه لا يرفع قدره بين الناس.
ومن لم ترفعه أفعاله، فلن ترفعه كراسي الصف الأول، ولو جلس فوق بعضها!














