في إحدى رحلات الطيران، لفت انتباهي مشهد بدا عاديًا للوهلة الأولى. كانت سيدة تتابع كاميرات منزلها عبر هاتفها، وتوجه العاملة بين حين وآخر: «أيقظيه»، «أطعميه»، «دعيه يذاكر».
هذا المقال لا يناقش حكمًا شرعيًا، ولا يقرأ ظروف الناس، وإنما يتأمل مشهدًا عابرًا أضاء فكرةً تستحق النقاش.
فما استوقفني لم يكن السيدة، ولا سبب سفرها، بل سؤال أكبر من القصة نفسها:
إلى أي مدى يمكن أن تُفوَّض التربية؟
لا أحد ينكر أن متطلبات الحياة تغيرت، وأن الاستعانة بالعاملات أصبحت حاجة في كثير من البيوت، وهذا أمر لا إشكال فيه عند الحاجة. لكن الحاجة إلى من يساعد في أعمال المنزل شيء، والتنازل عن الدور التربوي شيء آخر.
فالطفل لا يتلقى التربية في ساعات التوجيه فقط، بل في تفاصيل يومه كلها؛ في الحوار، وفي المواقف، وفي طريقة الاحتواء، وفي القدوة التي يراها أمامه. وهذه أمور لا تُقاس بعدد الساعات، بل بمن يعيشها معه.
وقد حمّل الإسلام الوالدين هذه الأمانة، فقال النبي ﷺ: «والمرأة راعية على بيت بعلها وولدها، وهي مسؤولة»، كما جعل الأب راعيًا ومسؤولًا عن رعيته. إنها مسؤولية لا تقتصر على توفير الاحتياجات، بل تمتد إلى بناء الإنسان.
فالطعام قد يقدمه أي شخص، والملبس قد يشتريه أي شخص، أما القيم فلا ينقلها إلا من يعيشها. والطفل قد ينسى من أطعمه، لكنه لا ينسى من احتواه، ولا من علّمه الصدق، ولا من منحه الشعور بالأمان.
ولعل أخطر ما قد يحدث ليس وجود العاملة في المنزل، بل غياب الوالدين عن تفاصيل التربية مع بقاء حضورهما عبر شاشة هاتف. فالمتابعة عن بُعد قد تنجح في إدارة الأعمال، لكنها لا تكفي لصناعة الإنسان.
إن الأوطان لا تُبنى أولًا في الجامعات ولا في مقرات العمل، وإنما تبدأ من بيت يدرك فيه الأب والأم أن التربية ليست مهمة يمكن تفويضها، بل رسالة لا يقوم بها أحد مكانهما.
قد نفوض كثيرًا من شؤون الحياة، لكن التربية ليست من بينها؛ لأنها لا تُدار بالأوامر، بل بالحضور، ولا تُصنع بالكلمات، بل بالقدوة.














