في أحد المجالس، لفت انتباهي حديث دار بين شخصين، لم يكن الخلاف على قيمة المعروف، بل على ما جاء بعده. أحدهما قال: “أنا الذي وقفت معك”، فرد الآخر: “ليتك لم تذكرها.”
توقفت عند هذه العبارة طويلًا. فبعض الكلمات لا تمحو المعروف فحسب، بل تترك في النفس أثرًا قد يكون أشد من الحاجة التي جاءت بسببها المساعدة.
في مجتمعنا تُعرف هذه التصرفات بـ”المنّة”، وهي أن يمنّ الإنسان بعطائه، أو يذكّر الآخرين بما قدمه لهم، وكأن المعروف أصبح فاتورة مستحقة السداد، أو وسيلة لإثبات الفضل كلما سنحت الفرصة.
الحقيقة أن قيمة الإحسان لا تُقاس بما أُعطي، وإنما بالطريقة التي يُحفظ بها. فالمعروف الذي يتبعه تذكير مستمر يفقد شيئًا من جماله، أما المعروف الذي يُقدَّم ثم يُنسى، فهو الذي يبقى أثره في القلوب.
ولذلك جاء التوجيه الإلهي واضحًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾. إنها رسالة لا تتعلق بالصدقة وحدها، بل بثقافة العطاء بأكملها؛ فليس كل من أعطى أحسن، وليس كل من ساعد سلم من المنّة.
ولم يقتصر التحذير على القرآن الكريم، بل جاء الوعيد في السنة النبوية شديدًا، فعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: «المُسبِل، والمنَّان، والمنفِّق سلعته بالحلف الكاذب»، وفي رواية: «لا يعطي شيئًا إلا منَّه». رواه مسلم. وهذا يدل على أن المنّ من كبائر الذنوب، لما يترتب عليه من إفساد للإحسان وإيذاء للمشاعر، حتى إن صاحبه عرّض نفسه لهذا الوعيد العظيم.
وقد بيّن الإمام ابن القيم رحمه الله أن المنّ نوعان؛ أولهما أن يمنّ الإنسان بقلبه، فيرى لنفسه فضلًا على من أحسن إليه وإن لم يتحدث بذلك، وثانيهما أن يمنّ بلسانه، فيُذكّر الناس أو صاحب الحاجة بما قدمه له، وكلاهما مما ينافي كمال الإخلاص وحسن الخلق.
ومن أجمل المعاني التي ينبغي أن يستحضرها المسلم عند فعل المعروف، أن يرى فضل الله عليه قبل أن يرى فضله على غيره؛ فالله سبحانه هو الذي يسّر له العطاء، وجعله سببًا في قضاء حاجة أخيه المسلم. ومن نعم الله عليه أيضًا أن ذلك المحتاج أحسن الظن به، واختاره من بين الناس ليطرق بابه عند نزول حاجته، فكان بابًا للأجر، لا بابًا للمنّة.
ومن أجمل ما قيل في هذا الباب: “إذا اصطنعت معروفًا فانسه، وإذا صُنع إليك معروف فلا تنسه.” فهذه الحكمة تختصر العلاقة الإنسانية في أبهى صورها؛ أعطِ ولا تنتظر المقابل، وساعد ولا تجعل إحسانك حديث المجالس.
نحن لا نحتاج إلى أن نعدّد ما قدمناه للناس، لأن المعروف الحقيقي لا يحتاج إلى شاهد، بل يكفيه أن يكون محفوظًا عند الله. وما كان لله يبقى، وما كان للثناء يزول مع أول كلمة منّ.
فلنترك للناس أثر المعروف، ولندع لأنفسنا أجره، فكم من عملٍ عظيمٍ أفسدته كلمة، وكم من إحسانٍ بقي خالدًا لأن صاحبه غادر المشهد بصمت.
المنّة… حين يُفسد اللسان جمال الإحسان
بقلم _ فهد الحنيحني
أضواء الوطن
- 18/07/2026
- 3649
شاركها
-
بِلادُ الوَحْيِ.. وَسِهَامُ البَغْيمنذ 5 ساعات
-
تذكرة غائبة وتكريم غيابيمنذ 7 ساعات
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
-
محمد الشيخلي
احسنتم دكتور زيد. ولفهم النظام الرأسمالي المعاصر ومشكلاته بص...
أخبار المجتمع
-
الشمري يدخل تاريخ التدريب في الحدود الشمالية بشهادة «البرو»منذ أسبوع واحد
-
رئيس بلدية النخيل “فاضل المطيري” يكسر الجمود البيروقراطيمنذ أسبوع واحد














