/
/
“دارت دواليب الزمن”

“دارت دواليب الزمن”

Picture of عائض الشعلاني

عائض الشعلاني

في حارتنا كان كبار السن قلةً نعدّهم على أصابع اليدين، كنا نهابهم ونسارع لتقبيل رؤوسهم وتوقيرهم، ومن بعدهم نجلّ أبناءهم الكبار. وفي غفلة من السنين ودورة الأيام والليالي، فقدناهم واحداً تلو الآخر حتى لم يبقَ منهم إلا واحد أو اثنان. واليوم نشعر أن نبوءة قوله تعالى {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} باتت تقترب منا كثيراً، فقد قلّ من نحني رؤوسنا لتقبيلهم، وبالمقابل كثر من يقبلون رؤوسنا. دارت دواليب الزمن وأصبح كبار السن اليوم يقولون: “حظي الأوائل بنصيب وافر من التقدير والهيبة”، ربما لأنهم كانوا يفرضون ذلك بقوتهم وصلابتهم وعدم تنازلهم عما يرونه حقاً لهم، وكانت الظروف الاجتماعية حينها مساعدةً لهم. أما الجيل الذي تلاهم فقد نالت منهم المدنية وطوعتهم المتغيرات، فأصبحوا أقل صرامة وأكثر تفهماً من الجيل الذي سبقهم، ولكن هذا الانفتاح أوجد نوعاً من الفتور والجفاء واللامبالاة، فأصبح الكثير من الكبار اليوم يعيشون الوحدة والفراغ ويصارعون آلام الحياة وحدهم دون مشاركة حقيقية من شبابهم وأهل بيوتهم إلا القليل. ثمة مفارقة عجيبة في وصف الأجيال، فكثير من الجيل المتأخر يصفون الأوائل بقساوة القلوب، بينما يرى الأوائل أن الأبناء اليوم بالغوا في دلال صِغارهم مما جعل الأحفاد يتهاونون بقيمة الكبير، فكان هذا المآل نتيجة لتربية اعتراها الوهن والضعف.

وإلا ما قصة العقوق الذي نراه منتشراً، وما معنى دور رعاية المسنين التي غصت بمن ضاقت بهم بيوت أبنائهم؟ لعلك تتساءل، أخي القارئ الكريم: هل كانت قسوة الأوائل هي الحصن الذي يحمي هيبتهم؟ وهل طيبة وتفهم الجيل المباشر والمعاصر هما السبب في عزلتهم وغربتهم بين أهليهم؟

بقلم : عائض الشعلاني.

اعلان

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى